حمادة فراعنة : رحيل عبد الوهاب دراوشة
لم يكن مجرد نائب منتخب من المجتمع العربي الفلسطيني أبناء مناطق الكرمل والجليل والمثلث والنقب ومدن الساحل الفلسطيني المختلطة.
كان
قائد سياسي، حقيقي و جاد، أنه عبد الوهاب دراوشة ابن قرية إكسال، شمال مرج
ابن عامر، المحاذية لجبال الناصرة، بدء حياته مدرساً، ومن ثم مديراً
للمدرسة، ومن ثم مفتشاً للتربية.
انتمى
في بداية نشاطه السياسي لحزب العمل الإسرائيلي، متوهماً مثل الكثيرين
أنذاك أن حزب العمل مؤسس مشروع الصهيونية على أرض فلسطين، والذي صاغ
الوثيقة السياسية الأولى، وهي بمثابة الدستور، أورد فبها أن المشروع
الصهيوني " دولة لكل مواطنيها" على خلاف الواقع والممارسة، ولذلك توهم بعض
القادة من الفلسطينيين، أنهم يستطيعوا تحقيق متطلبات الحياة الكريمة
لشعبهم، فانخرط العديد منهم في صفوف حزب العمل، من أجل متطلبات شعبهم في
المساواة، رغم إدراكهم للممارسة العملية و نهج التمييز السائد.
في
عام 1984، نجح الدراوشة عن قائمة حزب العمل لعضوية البرلمان الكنيست، ولكن
على أثر الانتفاضة الاولى، وسياسة " تكسير العظام" دفعته للاستقالة من حزب
العمل عام 1988، وشكل أول حزب عربي في مناطق 48، مع صديقه ورفيقه ابن
النقب المحامي طلب الصانع ، ونجحا لعضوية الكنيست عام 1992.
عرفني
عليه القائد الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في غزة، واصطحبني معه إلى قريته
إكسال، وأكرمني بدعوة قيادات المجتمع العربي الفلسطيني على شرف زيارتي،
بهدف التعرف المتبادل، ومنها وبعدها توطدت العلاقة الأخوية بيننا، و
التعاون من أجل القضية التي نعمل معا لأجلها.
دعوته
إلى الأردن مع وفد الحزب الديمقراطي العربي، واستقبلنا الراحل الكريم
الملك حسين بالترحاب والتقدير، وبناء على طلب الدراوشة ومبادرته، استجاب
الراحل صاحب الأفق وسعة الصدر والانحياز القومي الملك حسين، بفتح أبواب
الجامعات الأردنية للطلبة الفلسطينيين من أبناء مناطق 48، وحصل الحزب على
منحة ملكية بخمسة عشر مقعداً، وكانت تلك بداية نال بسببها الأحزاب العربية،
من بعده، بمكرمة ملكية مماثلة لكل حزب عربي، بصرف النظر عن فكره ومواقفه:
يسارية او قومية او اسلامية، المهم ان يكون في الخندق الوطني ضد الاحتلال.
قيادات
المجتمع العربي الفلسطيني تخرج أولادهم من الجامعات الأردنية: عبد الوهاب
دراوشة، محمد بركة، أحمد الطيبي، وغيرهم العشرات من رؤساء البلديات ونواب
الكنيست.
الذين تخرجوا من
الجامعات الأردنية تقريباً عام 2000، أطباء ومهندسين ومحامين ومدرسين
يشكلون االيوم بعد 25 سنة، يشكلون، قادة المجتمع العربي الفلسطيني، حيث
انعكس ذلك على تعزيز توجهاتهم الوطنية و القومية والاسلامية، وتعميقها
وتصليبها.
وهذا الذي جعل انتخابات
المجتمع العربي الفلسطيني من أن يصوتوا عام 1992 حوالي 56 % لصالح الاحزاب
الصهيونية، والتراجع نحو اخر انتخابات لم يزيدوا عن 13%، وهذا التراحع
يعود الفضل فيه أولاً إلى الحزب الشيوعي وجبهته الديمقراطية، و ثانيا إلى
الحزب الديمقراطي العربي الذي رفع شعاراً منذ تأسيسه: الصوت العربي للحزب العربي.
عام
1996، شكل القائمة الموحدة مع الحركة الإسلامية وقائدها العبقري الراحل
عبد الله نمر درويش، ونجحا معا بأربعة مقاعد مناصفة، وسجلا أول تحالف جدي
بين الأحزاب العربية، لخوض انتخابات الكنيست، وأصبحت ظاهرة ومطلب المجتمع
العربي الفلسطيني.
ولذلك،
وعبر هذه المبادرات: 1.تشكيل أول حزب عربي، 2. بناء العلاقة مع الأردن التي
شكلت مقدمة نحو العلاقة مع سوريا واليمن وليبيا، وكنت شريكا في تلك
الزيارات ومعدا لها،3. فتح أبواب الجامعات الاردنية لطلبة مناطق 48، 4.بناء
تحالفات انتخابية في مواجهة الاحزاب الصهيونية، سجل عبد الوهاب دراوشة أنه
قائد حقيقي وجاد لشعبه، حاملاً مضامين وتطلعات الشعب الفلسطيني بمكوناته
الثلاثة، حاملاً أهدافه المثلثة: 1- المساواة، 2- الاستقلال، 3- العودة.
رحيل
عبد الوهاب دراوشة خسارة لأسرته وشعبه، ولكن الاثر الذي تركه والذي أنجزه،
حقق لنفسه ولأسرته ولشعبه الافتخار والاحترام و مسار النضال من أجل مستقبل
أفضل للشعب الفلسطيني رغم الظروف الصعبة القاسية، ورغم ما يتعرض له من
مأسٍ ومجازر وبطش من قبل المستعمرة وفريقها الحاكم الأكثر تطرفاً سياسياً
ودينياً. ــ الدستور