المجتمع في مواجهة فوضى الأخبار والتضليل في الفضاء الرقمي
تتسارع وتيرة الأخبار والمعلومات على الصعيدين الإقليمي والدولي، ما يضع
المجتمع أمام تحد حقيقي في التمييز بين الحقائق والشائعات، ويجعل وصول
المعلومة الدقيقة والشفافة ضرورة لحماية وعي الجمهور.
ويؤكد مختصون في
الاتصال والإعلام لوكالة الأنباء الأردنية (بترا)، أن تعزيز القنوات
الرسمية وتطوير منظومات التحقق من الأخبار إلى جانب ترسيخ مهارات الدراية
الإعلامية لدى المجتمع يشكل منظومة متكاملة لحماية الفضاء المعلوماتي
وتعزيز ثقة الجمهور بالمصادر الموثوقة.
وقال وزير الاتصال الحكومي
الأسبق صخر دودين، إن تعزيز القنوات الرسمية لتكون المصدر الأول للمعلومة
يعد أمرا بالغ الأهمية، خصوصا في لحظات الأزمات والأحداث المتسارعة، مشيرا
إلى أن غياب المعلومة الموثوقة يؤدي بالضرورة إلى انتشار الشائعات، مؤكدا
أن المصداقية يجب أن تقترن بالسرعة والوضوح في إيصال الأخبار إلى
المواطنين.
وأوضح أن تعزيز القنوات الرسمية يعتمد على تقديم المعلومة
الأولية الموثوقة قبل أن يملأ الفراغ سيل التكهنات والحفاظ على وحدة
الرسالة الرسمية لضمان عدم تعدد الروايات داخل الدولة، إضافة إلى تعزيز
الحضور على المنصات الرقمية، حيث يتلقى المواطن اليوم الأخبار عبر هاتفه
قبل أي وسيلة إعلامية أخرى.
وأشار دودين الى أن الرقابة الحديثة لا تعني
تقييد الرأي، بل مواجهة التضليل المتعمد، مبينا أن تحقيق التوازن يتم من
خلال سن تشريعات واضحة تميز بين الرأي المشروع ونشر المعلومات المضللة
وتعزيز أخلاقيات المهنة الإعلامية داخل المؤسسات ودعم مبادرات التحقق من
الأخبار.
وأضاف إن الخطر الحقيقي على حرية التعبير لا يكمن في الرأي
المختلف، بل في المعلومة الكاذبة التي تتنكر في هيئة خبر، لافتا إلى أن
قياس فاعلية استراتيجيات التحقق من الأخبار يمكن رصده من خلال مستوى ثقة
الجمهور بالمصادر الرسمية، وسرعة تصحيح الأخبار المغلوطة وانتشار التصحيح،
إضافة إلى تراجع تأثير الشائعات في القضايا الحساسة.
وقال إنه "عندما
تبدأ الشائعة بفقدان قدرتها على إقناع الناس، نعرف أن المجتمع أصبح أكثر
وعيا وأقل قابلية للتضليل"، مؤكدا ضرورة العمل على ضمان وصول الحقيقة إلى
الناس أولا.
وبين أن معركة الوعي في العصر الرقمي لم تعد تدور حول من
يملك المعلومة فقط، بل حول من يملك المعلومة الموثوقة ويوصلها للناس في
الوقت المناسب، مشيرا إلى أن الإعلام مطالب بالشفافية والسرعة، والمهنية
والمسؤولية، وأن المجتمع شريك في التحقق من المعلومات، لا مجرد ناقل لها.
من
جهتها، أكدت أستاذة الإعلام الرقمي في جامعة الشرق الأوسط الدكتورة هالة
عمرو، أن تطوير قنوات الاتصال الرسمية لم يعد يقتصر على إصدار البيانات
التقليدية، بل يقوم على تبني منطق الاتصال الرقمي الفوري من خلال توحيد
الرسائل الإعلامية بين المؤسسات الحكومية وتعزيز حضورها على المنصات
الرقمية التي يستخدمها المواطنون بكثافة.
وأضافت إن تفعيل منصات الاتصال
الحكومية، مثل منصة "حقك تعرف"، يسهم في تقديم المعلومات بصورة استباقية
قبل انتشار الشائعات أو بعد تداولها، كما أن الاستثمار في غرف أخبار رقمية
مشتركة بين المؤسسات الحكومية يمكن أن يعزز سرعة نشر المعلومات بلغة واضحة
وقابلة للتداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وأشارت إلى أن الشفافية
المنتظمة، لا سيما في أوقات الأزمات، تعزز مكانة القنوات الرسمية كمصدر
موثوق، مؤكدة أن الثقة الإعلامية تقوم على صحة المعلومة واستمراريتها.
وأوضحت
عمرو، أن الحد من انتشار المعلومات المغلوطة يتحقق من خلال بناء منظومة
حوكمة إعلامية توازن بين حرية التعبير والمسؤولية المهنية، لافتة إلى أن
المؤسسات التنظيمية ومواثيق الشرف الإعلامي تلعب دورا مهما في ترسيخ قواعد
التحقق من المعلومات ومساءلة الجهات التي تتعمد نشر محتوى مضلل.
وحول
قياس فاعلية استراتيجيات التحقق من الأخبار، أوضحت أنه يمكن الاعتماد على
عدة مؤشرات منها: مدى انتشار الأخبار المصححة مقارنة بالمضللة وحجم التفاعل
مع منصات التحقق، إضافة إلى سرعة الاستجابة لتصحيح المعلومات المتداولة.
وأشارت
الى أهمية استطلاعات الرأي وتحليل اتجاهات النقاش العام على المنصات
الرقمية، بالإضافة الى الشراكات بين الجامعات والمؤسسات الإعلامية لتوفير
قاعدة بحثية مهمة لإنتاج بيانات دورية تساعد على تقييم هذه الاستراتيجيات
وتطويرها.
واقترحت عمرو، إطلاق منصة وطنية رقمية للتحقق التشاركي من
المعلومات، تمكن المواطنين من إرسال الأخبار أو الصور أو المقاطع التي
يشككون في صحتها، ليتم التحقق منها بسرعة من قبل فريق متخصص وإعلان نتائج
التحقق بشكل علني، بما يسهم في تحويل الجمهور من متلق سلبي إلى شريك فاعل
في حماية الفضاء المعلوماتي.
كما دعت إلى تنفيذ برامج تدريبية تستهدف
فئات مختلفة من المجتمع، مثل ربات البيوت والمتقاعدين وغير المنتسبين
للمؤسسات التعليمية، لتعزيز مهارات التحقق الرقمي لديهم ومنح المشاركين
شارات رقمية معتمدة ليكونوا جزءا من شبكة وطنية داعمة لمكافحة المعلومات
المضللة.
بدورها، قالت الخبيرة في مجال الدراية الإعلامية الدكتورة نهلا
المومني، إن الدراية الإعلامية تشكل شبكة وقائية مهمة وتمثل إحدى الأدوات
الأساسية لممارسة الحق في حرية التعبير، إذ تمكن الأفراد من التعامل مع
الأخبار والمعلومات بوصفها مواد قابلة للتحليل والتفكير الناقد والتمحيص.
وأشارت
إلى أن تطبيق مهارات الدراية المعلوماتية يسهم في تمكين الأفراد من التحقق
من مصادر الأخبار وإخضاعها لمعايير الموثوقية والمصداقية، إضافة إلى
الاطلاع على المعلومات من مصادر متعددة، ما يعد من أهم ركائز الموضوعية
والمهنية الإعلامية.
وأوضحت أن هذه المهارات تشمل فهم السياق العام
للمحتوى الإعلامي، إدراك احتمالية وجود أجندات أو تحيزات تخدم جهات أو فئات
معينة، إلى جانب استخدام الأدوات الرقمية الحديثة التي تساعد في التحقق من
المعلومات، مؤكدة أهمية تنمية الوعي بآليات عمل أدوات الذكاء الاصطناعي
وما قد تحمله من احتمالات لإنتاج محتوى يوهم المتلقي بأنه يعكس الحقيقة.
ودعت
المومني، إلى التوسع في إدماج مفاهيم الدراية المعلوماتية في المناهج
التعليمية وتزويد الطلبة بمهارات عملية للتحقق من الأخبار والمعلومات.
وأضافت
إن الحق في حرية التعبير مكفول بموجب الدستور والمعايير الدولية لحقوق
الإنسان والتشريعات الوطنية، إلا أن ممارسته تخضع لضوابط تضمن عدم الاعتداء
على حقوق الآخرين أو الإخلال بالمصلحة العامة وأن الدراية المعلوماتية
تمثل إحدى الأدوات المهمة التي تساعد على ممارسة هذا الحق بمسؤولية وتحقيق
التوازن بين حرية التعبير وحماية المجتمع من التضليل والمعلومات الزائفة.
--(بترا)