الأخبار

د. خالد الشقران : الرابحون والخاسرون من الحرب

د. خالد الشقران : الرابحون والخاسرون من الحرب
أخبارنا :  

تتجه المنطقة يوما بعد يوم نحو مزيد من الانكشاف الاستراتيجي مع اتساع رقعة الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، خاصة وأن المشهد الإقليمي مضطرب إلى حد كبير وتتقاطع فيه الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة فوق جغرافيا مثقلة بالأزمات، بينما تغيب حتى اللحظة أي مؤشرات واقعية على نهاية قريبة لهذا الصراع. ما يثير القلق أن أهداف هذه الحرب تبدو ضبابية إلى حد كبير، الأمر الذي يطرح تساؤلات عميقة حول القوى التي تدفع باتجاه استمرارها، وحول الأطراف التي قد تجد في ذلك فرصة لإعادة رسم موازين النفوذ في الإقليم.

 

المفارقة التي تكشف جوهر الأزمة تتمثل في أن الحرب التي ترفع فيها الشعارات الدفاعية، تتحول على أرض الواقع إلى مصدر تهديد مباشر لدول الجوار، فإيران التي تؤكد في خطابها السياسي أنها لا تحمل عداء لدول الجوار العربي والإقليمي، أطلقت صواريخ ومسيرات سقطت في أراض عربية عدة، وامتدت آثارها إلى تركيا وقبرص، هذا التناقض الصارخ بين الخطاب والسلوك يكشف خللا عميقا في معادلة الأمن الإقليمي، ويضع علامات استفهام كبيرة حول حقيقة الأجندة الاستراتيجية التي تحرك القرار الإيراني.

في المقابل، لا يمكن قراءة المشهد بمعزل عن الطموحات الإسرائيلية التي تسعى منذ عقود إلى تكريس تفوق استراتيجي دائم في المنطقة، فكلما اتسعت دائرة الصراع الإقليمي وتفككت منظومات الاستقرار في الدول المحيطة، ازداد هامش الحركة أمام المشروع الإسرائيلي لتعزيز موقعه كقوة مهيمنة عسكريا وأمنيا، إضافة الى مضيها قدما وبوتيرة متسارعة في تغيير الحقائق على الأرض من خلال اعتداءاتها المتصاعدة على الأرض والانسان والمقدسات في الضفة الغربية والقدس، من هذا المنظور تبدو الفوضى الإقليمية أداة غير مباشرة لإعادة تشكيل موازين القوى بما يخدم مشروع التفوق الإسرائيلي طويل الأمد.

الحرب بهذا المعنى تتحول إلى ساحة تتقاطع فيها مشاريع الهيمنة الإقليمية، بدءاً من إيران التي تسعى إلى تثبيت نفوذها عبر شبكة واسعة من الأذرع العسكرية والسياسية المنتشرة في عدد من ساحات المنطقة، بينما تعمل إسرائيل على تكريس واقع استراتيجي جديد يجعلها القوة الأكثر قدرة على فرض شروطها الأمنية والسياسية، وفي ظل هذا التنافس الحاد يصبح الإقليم كله مسرحا مفتوحا لصراع الإرادات.

غير أن السؤال الأهم يتعلق بهوية الخاسر الأكبر في هذه المعادلة، التجربة التاريخية تشير بوضوح إلى أن الشعوب والدول الواقعة في قلب الجغرافيا العربية تتحمل الكلفة الأكبر لكل موجات الصراع التي تضرب المنطقة، فالصواريخ التي تسقط فوق أراض عربية، والتوترات الأمنية التي تمتد عبر الحدود، والتداعيات الاقتصادية والسياسية التي تتراكم مع كل جولة تصعيد، كلها تؤكد أن استمرار هذه الحرب يهدد بنسف ما تبقى من استقرار إقليمي.

في المقابل، قد يحقق بعض الفاعلين مكاسب تكتيكية على المدى القصير، سواء عبر توسيع النفوذ أو تثبيت مواقع القوة، غير أن التجربة تثبت أن الحروب التي تتغذى على الفوضى سرعان ما تتحول إلى دوامات يصعب السيطرة عليها، وقد تنقلب نتائجها على جميع الأطراف بما في ذلك من أشعل شرارتها.

النتيجة التي تفرض نفسها بوضوح أن المنطقة تقف أمام لحظة اختبار تاريخية، حيث أن استمرار الصراع وفق منطق المحاور سيقود إلى مزيد من التآكل في بنية الأمن الإقليمي، وفي مقابل ذلك يمثل التعاون العربي وتوحيد المواقف السياسية والدبلوماسية وحتى العسكرية المدخل الأكثر واقعية لحماية السيادة الوطنية وصون مصالح الدول العربية، فالأمن القومي العربي لا يمكن تركه رهينة لصراعات الآخرين أو ساحة لتصفية الحسابات بين مشاريع الهيمنة الإقليمية.

المطلوب اليوم رؤية عربية أكثر تماسكا وصلابة تدرك أن حماية الاستقرار في هذه المنطقة مسؤولية مشتركة لا تقبل التأجيل، فالدول التي تدرك خطورة المرحلة وتتحرك لبناء منظومة تعاون سياسي وأمني وعسكري فعالة ستكون الأقدر على حماية مصالحها وفرض معادلة ردع حقيقة تحصن الإقليم من العبث والفوضى، أما التردد في هذه اللحظة المفصلية واستمرار غياب مشروع الردع العربي فسيترك الباب مفتوحا أمام مشاريع الهيمنة التي لا ترى في المنطقة سوى ساحة مفتوحة للصراع. ــ الراي

مواضيع قد تهمك