م. هاشم نايل المجالي : في رمضان يتساوى الغني مع الفقير
لكلٍّ منا رؤيته لصيام شهر رمضان المبارك، فهناك من يراه عبادةً يتقرب بها العبد إلى ربه، وهناك من يراه صفاءً للروح، وهناك من يراه محطةً صحيةً كبيرةً، وهناك من يراه شهرًا جامعًا لمشاعر وطقوس المجتمعات، وهناك من يرى كل هذه الأمور مجتمعة، أما الأدباء فلهم نظرتهم العميقة للأمور لحسهم المرهف.
فالأديب مصطفى صادق الرافعي حاضرٌ بذاكرتي بقوة عندما كتب عن فلسفة الصيام، ورغم تجاوزه للبعد الصحي للصيام والفوائد التي تُجنى من ذلك حين قال عن أيام صيام رمضان: (ما هي إلا ثلاثون حبة تُؤخذ في كل سنة مرة لتقوية المعدة وتصفية الدم وخياطة أنسجة الجسم).
ولقد أشار إلى البعد الاجتماعي والإنساني، خاصة عندما انتقد الاشتراكية التي أوهمت أوروبا بخواصها الإنسانية، حيث لمز اضطرابها في التعامل مع النفس البشرية، إذ أورد الصيام كنموذج لما سماه مجازًا بالاشتراكية الصحيحة فقال: (الصوم فقرٌ إجباري تفرضه الشريعة على الناس فرضًا ليتساوى الجميع في بواطنهم ).
سواءٌ منهم من هو ميسور الحال المادي ومالكٌ للملايين أو من لا يملك إلا قرشًا واحدًا، إنه فقرٌ إجباري يُراد به إشعار النفس الإنسانية بطريقة عملية واضحة كل الوضوح أن الحياة الصحيحة وراء الحياة لا فيها، وأنها تكون على أتمها حين يتساوى الناس في الشعور لا حين يختلفون، وحين يتعاطفون بإحساس الألم الواحد لا حين يتنازعون بإحساس الأهواء المتعددة.
لقد أصبحت الناس بذلك سواسية حين يُوضع الإنسان في حالة نفسية واحدة من دون المساس بالتباين في الأوضاع الاقتصادية، فالغني بذلك الأمر يتساوى مع الفقير بطبيعته، وبذلك يكون الاطمئنان والمساواة، حيث يكون هدوء الحياة بهدوء النفسين اللتين هما السلب والإيجاب في هذا الاجتماع الإنساني.
وإن الرحمة تنشأ من الألم، فكما تتربى الرحمة في النفوس عقب الأزمات التي يتعرض لها الإنسان فتثير الشفقة في القلوب، هناك أيضًا الصيام كطريقة عملية تُربي الإنسان على الرحمة بألم الجوع، ومتى تحققت رحمة الجائع الغني للجائع الفقير أصبح للكلمة الإنسانية الداخلية سلطانها النافذ.
فيسمع الغني في ضميره صوت الفقير يقول: أعطني. فلا مفر من الاستجابة لذلك المعنى، وكذلك مواساة المبتلى لمن كان في بلائه، ولقد قال الشاعر أحمد شوقي في كتابه (أسواق الذهب): (حرمانٌ مشروع وتأديبٌ بالجوع لمن تعود الشبع، وحرمان المترف ألوان المتع، عرف الحرمان كيف يقع، وألم الجوع إذا لذع).