م. هاشم نايل المجالي : الغاية تبرر الوسيلة!
تطرح الأفلام السينمائية والرسوم المتحركة القصص عن أبطال يناصرون الضعفاء
ويسعون لتحقيق العدالة ويسعون إلى ترجيح كفة الخير في الصراع الدائم مع
الشر، حيث تستند هذه الأفلام إلى حكايات أسطورية وشخصيات تاريخية طبعها
التاريخ في وجه الظلم، وإلى هؤلاء ينتمي (روبن هود)، ذلك الفارس والرامي
الماهر الذي كان يسرق من الأغنياء لإطعام الفقراء، وكان في صراع ومعارك مع
المستبدين لخدمة القضايا التي تحقق العدالة، حيث لديه القدرة على رمي
السهام ودقته في إصابة أهدافه، وهو بطل خارج القانون ويقود مجموعة من
أصدقائه التي تسانده وتساعده في عملياته ضد الأغنياء ومن يحتكر الثروات،
حيث أصبح له في إنجلترا تمثال تذكاري بملابس العصور الوسطى ويمسك بيده
قوسًا وسهمًا وهو واقف في وضعية قتالية واضحة، أي أنه يسرق من أجل الفقراء،
حيث يتعاطف مع هذه الشخصية الكثيرون الذين ينظرون إلى جانب واحد من القصة
وهو تحقيق الفائدة للفقراء، ويغفلون عن الجانب الآخر وهو سرقة الأثرياء
وسلبهم أموالهم على اعتبار أن الغنى والثراء جريمة عندما لا يعطي منها شقًا
للفقراء، وكأن إباحة السرقة سبيل مشروع لتحقيق العدالة الاجتماعية، علمًا
بأن هناك العديد من الوسائل الأخرى تمكن الفقراء من مواجهة الفقر سواء جمع
التبرعات أو تعليمهم وتدريبهم وتأهيلهم على حرف مهنية وتوفير لهم بيئة آمنة
ومستقرة تستوعبهم.
وهناك أيضًا رياضة مصارعة الثيران، ذلك التقليد الذي
اشتهرت به عدة دول أبرزها إسبانيا على مدى قرون، حيث يتعاطف المشاهد مع
البطل الشجاع الذي يستفز الثور ويثير غضبه ويوجه الحراب إلى جسده مرات
ومرات حتى يستنزف قوته إلى أن يسدد له رمية الموت وسط الجماهير، مع أن
حقيقة المشهد هو خروج عن الإطار الإنساني والأخلاقي، حيث تعذيب الحيوان
بهذه الطريقة البشعة، ومع ذلك يتعاطفون مع الإنسان القاسي الذي يشتهر ويسلي
الناس بهذه الوحشية.
هذا التعاطف السلبي يعتبر إخلالًا بميزان العدل،
ويحول كل عمل قبيح إلى حسن، ويوصل مفهوم الغاية تبرر الوسيلة، والقفز على
حتمية مشروعية الوسائل ومشروعية الغايات معًا، لتتحول الحياة إلى غابة،
وبهذا المنطق المعيب نجد من يتعاطف مع زعماء دول عظمى عندما يقررون الهيمنة
والسيطرة على دول أخرى أكثر فقرًا وأضعف قوة، ينهبون خيراتها وثرواتها
ليزيد الفقر فيها فقرًا حتى وإن كان ذلك يكلف قتل الآلاف من البشر، المهم
تحقيق غاياتهم، فهم يملكون القوة الخارقة والإمكانيات الكبيرة والتكنولوجيا
الحديثة لتحقيق مبتغاهم، والكل يصفق لهم، حتى مدن كاملة ودول وجزر فيها
خيرات لم تسلم منهم بكل علانية من العالم كله ليستغلوها لصالحهم غير آبهين
بدول العالم الأخرى، فالقرار قرارهم والتحكم بالسلطة بيدهم، ليصبح العالم
لعبة في أيديهم، ممزقًا بين العدالة والظلم، وممزقًا بين من يسعى لإطعام
الفقير ومن يسعى ليزيد من غنى الأغنياء، وممزقًا بين من يعامل الحيوانات
معاملة إنسانية وبين من يقتلهم بدم بارد ليصفق له الجماهير.
هذا هو العالم الآن، روبن هود الحديث الذي يقتل وينهب الفقراء لصالح الأغنياء.