داود عمر داود : تحجيم إيران بتجريدها من مخالبها الإقليمية
التهديدات الخارجية تحصن النظام الإيراني:
لم تكن هناك أي دولة في العالم، طيلة سنوات القرن العشرين، منذ بداية هيمنة الغرب على العالم، إلى ما قبل استلام الملالي السلطه في ايران، بزعامة "الخميني"، سنة 1979، أكثر إخلاصاً وولاءً، وتنفيذا لأوامر الدول الغربية، من إيران أيام الشاه محمد رضا بهلوي، لدرجة أن إيران كانت تقوم بدور "شرطي الخليج"، وكان النفوذ الأكبر هو لبريطانيا، التي أقامت النظام البهلوي، عام 1925.
الاستراتيجية الأمريكية في إيران:
لكن الصراع الدولي، للاستحواذ على النفوذ، جعل الولايات المتحدة تقوم باستبدال نظام الشاه بـ "نظام الملالي" الحالي، وسلمتهم حكم إيران على طبق من ذهب. فلماذا أطاح الأمريكيون بالشاه، في عهد الرئيس "جيمي كارتر"، وأتوا بالملالي لحكم إيران، وماذا كانت استراتيجتهم؟
الاستراتيجية الأمريكية، غير المعلنة، من التخلص من حكم الشاه، عام 1979، كانت تهدف إلى تعطيل ظهور أي دولة عربية إسلامية قوية في المنطقة، خاصة بعد تفاهم الشاه مع العراق من خلال "اتفاق الجزائر"، لتسوية الخلافات الحدودية.
إذ تم بموجب الاتفاق، الذي جرى التوصل إليه بمبادرة من الرئيس الجزائري هواري بومدين، تسوية النزاعات الحدودية المشتركة بين البلدين، مثل النزاع على شط العرب. ووقع الاتفاق في 6 مارس آذار، عام 1975، شاه إيران ونائب الرئيس العراقي آنذاك، صدام حسين. وبعد الاتفاق لم يعد هناك خلافات بين إيران والعراق، خاصة بعد أن أوقف الشاه دعمه لأكراد شمال العراق، بقيادة الملا مصطفى البرازاني، الذين قاموا بثورة مسلحة ضد حكومة بغداد.
نظرية "الخميني" في تصدير الثورة ونشر التشيع:
اتفاقية الجزائر أزالت الخلافات بين نظام الشاه والعراق، فلم يبق هناك أيٌ سببٍ لقيام حربٍ، أو نزاعٍ مسلحٍ بين البلدين. لكن النظرية، التي جاء بها "الخميني"، في "تصدير الثورة" ونشر التشيع، أملت عليه ضرورة شن حربٍ على العراق، حيث كان يتحدث عن ذلك عندما كان في باريس، قبل العودة إلى إيران.
فكانت أولوية "الخميني"، عقب عودته إلى طهران، أن يشن الحرب على العراق، من أجل تحقيق نظريته الهادفة إلى ضرب الإسلام والمسلمين، فكانت حربُ الثماني سنوات، التي قال: "إن إيقاف الحرب أصعب من تجرع السُم"، فهي لم تحقق طموحاته التوسعية بفضل صمود العراق، وفشلت إيران في اختراق "البوابة الشرقية" للوطن العربي.
أمريكا فتحت "البوابة" لإيران لاجتياح المنطقة العربية:
إذن، نجد أن النوايا التوسعية لدى "الخميني" كانت مبيتة، ومتفق عليها مع الأمريكيين مسبقاً، بشرط أن يخدم الملالي المصالح الأمريكية. لكن ورثة "الخميني" لم يتمكنوا من استئناف الحرب ضد العراق، حتى قررت أمريكا القيام بنفسها بكسر "البوابة"، وفتحها عنوة أمام الملالي لاغتصاب المنطقة العربية، باحتلال العراق.
وهكذا، في غفلة من الزمن، قدم الأمريكيون للملالي العراق، وسوريا، واليمن، ولبنان، والبحرين، وفلسطين، وأفغانستان، على طبق من ذهب، كما قدموا لهم من قبلُ الحكم على طبق من ذهب. كما فُتح المجال لإيران للتغلغل في القارة الإفريقية، خاصة الشمال الإفريقي، ومعظم الدول العربية، بغية نشر التشيع، واقتلاع جذور الإسلام والمسلمين منها.
مقتل إيران في حلمها استعادة أمجاد امبرطورية كسرى الفارسية:
وقد انتعش الملالي بهذا التوسع ورفعوا شعار (الثورة الإيرانية لا تعرف الحدود وهي لكل الشيعة). فخدعوا أنفسهم بشعور زائف بأهميتهم الدولية المبالغ فيها، وأصابهم الغرور، ونشوة الانتصار، وظنوا أنهم وصلوا إلى مبتغاهم، وصاروا يتبجحون أنهم يملكون أربع عواصم عربية، وانهم قاب قوسين أو أدنى من استعادة أمجاد "إمبراطورية فارس القديمة".
ونظراً للخدمات التي قدمتها إيران للمصالح الأمريكية، كافأتها إدارة أوباما بالاتفاق النووي، عام 2015، وبمزايا تجارية أنعشت الاقتصاد الإيراني بشكل لا مثيل له، مدة عامين ونصف. ولكن كل شيء تغير لما انتبه الأمريكيون لطموحات إيران الذاتية، إذ قررت إدارة ترامب الأولى معاقبة طهران على استغلال العلاقات الاستراتيجية، مع أمريكا، من أجل خدمة مصالحها الذاتية، في كسب النفوذ الإقليمي، فأعلنت الانسحاب من الاتفاق النووي، منتصف عام 2018، ثم قامت مطلع عام 2020، باغتيال قاسم سليماني، حلقة الوصل بين طهران وأذرعها في ساحات كل من العراق، وسوريا، ولبنان، وفلسطين، واليمن.
تحجيم إيران بتجريدها من مخالبها الإقليمية:
وهكذا دخلت العلاقات بين طهران وواشنطن مرحلة مختلفة عما كانت عليه من قبل. ويتحدث المراقبون عن سيناريوهات مختلفة، مطروحة على بساط البحث، لكيفية معالجة المسألة الإيرانية، من وجهة نظر واشنطن. منها سيناريو إسقاط نظام الملالي وعودة نظام الشاه، وسيناريو تقسيم البلاد إلى أربع دول، وسيناريو تحجيم إيران والإبقاء عليها ضعيفة، بدون مخالب إقليمية.
اللجوء الى "التحجيم" كان الخيار الأبرز الذي يبدو أن إدارة ترامب قد لجأت إليه. فتحريك الشارع الإيراني، والحشد العسكري، والتهديد المتواصل لتوجيه الضربات، ومسرحيات الضربات المتبادلة، العام الماضي، لا تهدف إلى إسقاط النظام وعودة الشاه، بل تهدف إلى الإبقاء على النظام قائماً بعد خلع مخالبه، بحيث يفقد أهميته الإقليمية، ويتقوقع على نفسه داخل حدوده. ومن هنا يمكن الاستنتاج أن ما تقوم به أمريكا يخدم النظام الإيراني، ويصب في مصلحته، ويحافظ على بقائه، مع تجريده من دوره الإقليمي.
الخلاصة: التهديدات الخارجية تُحصّن النظام:
لقد شهد العالم، منذ إقامة نظام الملالي، قبل نصف قرن تقريباً، إفتعال التهديدات، والأزمات، ومسرحيات العداء المتبادل، بين إيران وأمريكا، وظن الناس أنها حقيقية، لكن الأيام كشفت زيف تلك المواجهات المفتعلة، وأثبتت أنها كانت مثل "لعبة الأمم" التي أتقنها الأمريكيون في مصر عبد الناصر. فالواقع أنها كانت أمور إيجابية بالكامل بالنسبة للنظام الإيراني، فالتهديدات الخارجية جعلت الجيش الإيراني، بكافة أجنحته، وكامل أجهزة الدولة، في حالة استنفار دائم، وبالتالي قللت من فرص نجاح أي انقلاب، أو ثورة شعبية، وأحبطت المؤامرات الداخلية. بل إن تلك المسرحيات ساعدت "الملالي" على تشديد قبضتهم على البلاد، والحيلولة دون سقوط النظام.