احمد الفرحان ابو هزيم : دلالات التوجيه الملكي في إعادة هيكلة القوات المسلحة
يأتي التوجيه الملكي السامي لرئيس هيئة الأركان المشتركة، الداعي إلى "إعداد استراتيجية شاملة وخارطة طريق واضحة لتحقيق تحوّل بنيوي في القوات المسلحة خلال السنوات الثلاث المقبلة"، في مرحلة مفصلية من تاريخ الصراعات المعاصرة، تتسم بتسارع التحولات الأمنية وتداخل أنماط المواجهة ، وليشكّل إشارة استراتيجية صريحة بأن المرحلة الراهنة تتطلب انتقالًا مدروسًا ومنظمًا في بنية القوات المسلحة، وقدراتها، وآليات عملها بما يتلاءم مع طبيعة المرحلة .
ويكتمل فهم القصد الملكي عند التوقف عند الهدف الوارد في نص التوجيه، والمتمثل في " تمكين القوات المسلحة من مواجهة التهديدات الحالية والمستقبلية، والتعامل مع التغيرات المتسارعة والتحديات الناجمة عن التطور التكنولوجي واتساع بيئة العمليات". وهي صياغة تعكس إدراكًا بأن بيئة الأمن لم تعد محصورة في نمط واحد من الصراع، بل باتت متعددة الأبعاد، متحركة، ومتشابكة الوسائل.
كما لا يمكن النظر إلى صدور التوجيه باللغتين العربية والإنجليزية باعتباره أمرًا إجرائيًا ، بل بوصفه رسالة واضحة بأن الجيش العربي الأردني يعمل ضمن فضاءين متكاملين: فضاء وطني يؤكد الثوابت والسيادة ، وفضاء دولي يتطلب رسائل ردع وتوضيح وطمأنة واظهار الإرادة والقدرة على العمل بكفاءة في الدفاع عن الأمن الوطني ، أو الإسهام في عمليات حفظ السلام والاستقرار الدولي بالاعتماد على الذات أو ضمن التحالفات .
كما يصدر هذا التوجيه في سياق إقليمي ودولي يتسم بتراجع موثوقية بعض الفاعلين ، وتباين مستويات الالتزام بالقانون الدولي والمعاهدات، إلى جانب تحولات غير مستقرة في موازين القوى وتشابكات أمنية غير مرئية. وفي سياق توسع ملحوظ في استخدام أدوات غير تقليدية لإدارة الصراعات، وعلى رأسها حروب الوكالة والحروب الهجينة، والحروب غير التقليدية التي تستهدف إنهاك الخصوم وكسر إرادتهم دون الانخراط في مواجهات عسكرية مباشرة.
وقد زاد التطور التكنولوجي المتسارع من تعقيد المشهد، إذ ارتفعت قدرة الدول والجماعات على تحقيق المفاجأة الاستراتيجية، سواء عبر الفضاء السيبراني، أو الهجمات الإلكترونية، أو الأنظمة الدقيقة عالية التأثير. وهو ما يفرض ضرورة امتلاك قدرات تكنولوجية معاكسة، وتعزز الاكتشاف المبكر، وترفع كفاءة الاستجابة.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية تطوير قدرات الحرب الإلكترونية والسيبرانية، وتحصينها. كما تزداد الحاجة إلى ادامة منظومة متقدمة لجمع وتحليل المعلومات حول قدرات الخصوم القتالية واتخاذ الإجراءات الوقائية اللازمة ضمن إطار دفاعي متكامل.
ورغم بقاء القوة الصلبة عنصرًا حاسمًا في أي صراع، إلا أن التطور العلمي والتكنولوجي دفع العديد من الجيوش إلى تبني عقائد تقلل من الاعتماد المفرط عليها، سعيًا لتقليل الخسائر، وتحقيق الأهداف بأدوات أكثر مرونة. وقد أدى ذلك إلى تصاعد الاعتماد على الحروب الهجينة وغير التقليدية، واستهداف مراكز الثقل .
وللدفاع والدفاع التعرّضي في بيئة كهذه، لا بدّ من تحديد مراكز الثقل بما فيها الشخصيات ذات التأثير الحيوي، والمتابعة الحثيثة للحفاظ على سلامتها وأمنها، والاعتماد على الوحدات الرشيقة عالية التدريب، القادرة على الحركة السريعة، والمناورة، والانتشار المتعدد الاتجاهات مما يضاعف كثيرا من تأثيرها العملياتي، ضمن عقيدة لا مركزية تمنح القادة الميدانيين صلاحيات القرار، وتختصر الزمن. فالقوة المحمولة جوًا على سبيل المثال، قادرة على تنفيذ مهام متتالية في زمن قياسي، مما يضاعف من استخداماتها وتأثيرها العملياتي عدة أضعاف مقارنة بالقوة الراجلة.
كما تتطلب المرحلة تتبعًا دقيقًا ومتواصلًا للمعلومات في الفضاء الأمني، إذ تقود حداثة المعلومات ودقتها إلى سرعة التنفيذ، وتسهم كثافة النيران في الحسم وتقليل الخسائر، بينما تتيح فعالية الحرب الإلكترونية والسيبرانية شل الخصم وعزله وتهيئة الظروف المناسبة لتحييده. كما يُعد تعدد قنوات الاتصال وجودتها عاملًا حاسمًا في استمرارية القيادة والسيطرة وتدفق الأوامر والمعلومات.
ولا يقل عن ذلك أهمية الاستثمار في التدريب المشترك والتعاون مع الجيوش الصديقة والمتقدمة، للاطلاع على أحدث المفاهيم العسكرية وفلسفات إدارة العمليات، بما يعزز قدرة القوات المسلحة على مواكبة التطور المتسارع في ميدان الحرب الحديثة.
كما يرتبط نجاح الوحدات المقاتلة بسلاسة وكفاءة سلاسل الإسناد والإمداد والخدمات. ويُعد التوضيع المسبق لهذه السلاسل بما يلائم العمليات المحتملة وتأمينها وحمايتها عنصرًا أساسيًا في أي تحول بنيوي ولسرعة الدخول في العمل واستمراريته.
إن استخدام مصطلح "خارطة طريق" في التوجيه الملكي يعكس مقاربة عملية تقوم على وضوح الأهداف، وتحديد المسارات، والعمل ضمن جدول زمني، بما يجعل إعادة الهيكلة عملية قابلة للتنفيذ والتقييم.
في المحصلة، يعكس التوجيه الملكي السامي أولوية راسخة للقوات المسلحة في رؤية جلالة الملك عبدالله الثاني للأمن الوطني، والتزامًا مباشرًا بالحفاظ على أمن المواطن واستقرار الدولة ومؤسساتها. فالتحول البنيوي المنشود ليس تغييرًا شكليًا، بل بناءٌ لقدرة ردع قائمة على الجاهزية، والمرونة، وسرعة الاستجابة، والدول التي تستثمر في التكيف المنظم والواعي تبقى الأقدر على صون أمنها الوطني وتعزيز استقرارها وأمان شعوبها.