“القدس العربي” تلتقي عددا من الأسرى المحررين المبعدين إلى القاهرة- (صور)
القاهرة- في أحد فنادق القاهرة، يستقر عشرات الأسرى المحررين من أصحاب الأحكام العالية الذين أفرجت عنهم سلطات الاحتلال الإسرائيلي مع قرار بإبعادهم عن الأراضي المحتلة، وفقا لاتفاق وقف إطلاق النار الذي أبرمته حركة حماس مع الاحتلال الإسرائيلي في القاهرة.
يتحدث الأسرى لـ”القدس العربي” عن لحظات الإفراج عنهم وكيف عاملهم الاحتلال في الأيام الأخيرة التي سبقت خروجهم من السجن حتى وصولهم إلى القاهرة.
أجمع الأسرى على أن العامين الماضيين كانا الأصعب في سنوات الأسر التي استمرت عقودا، حيث كان الاحتلال يتعامل معهم بانتقام، خاصة أن المقاومة رفعت شعار تبييض السجون الإسرائيلية من الأسرى الفلسطينيين كهدف رئيسي لعملية طوفان الأقصى.
محمد عادل داود الملقب بـ”أبو غازي” واحد من 154 تم نقلهم إلى القاهرة بعد الإفراج عنهم ضمن صفقة وقف إطلاق النار، بعد أن قضى 38 عاما في سجون الاحتلال، يقول لـ”القدس العربي” إنه لم يعرف أنه سيخرج ضمن صفقة تبادل الأسرى، وإنه حتى في لحظة الإفراج عنه، لم يكن يعلم، حتى عندما جاء جنود الاحتلال لاصطحابه، توقع أن يكون الأمر مجرد إجراء لنقله لقسم آخر داخل السجن، حيث اعتاد الاأسيرا حتلال فعل هذا الشيء كل عدة أشهر مع الأسرى.
أسير مفرج عنه: لم أعرف أنني سأخرج من السجن إلا عندما جاء ضابط من المخابرات الإسرائيلية وجلس معي، لم يقل سوى كلمات قليلة منها أنني فقدت عمري في السجن
وأضاف: لم أعرف أنني سأخرج من السجن إلا عندما جاء ضابط من المخابرات الإسرائيلية وجلس معي، لم يقل سوى كلمات قليلة منها أنني فقدت عمري في السجن، مهددا بإعادة أسري حال عودتي لما يسميه "العمل الإرهابي”، وأخبرني أنني ممنوع من دخول مسقط رأسي في الضفة، وأنه سيتم إبعادي إلى قطاع غزة ومنها إلى مصر.
يتذكر أبو غازي لحظة أسره قبل 38 عاما، في 7 ديسمبر/ كانون الأول 1987، حيث وجه له الاحتلال تهمة قتل 3 إسرائيليين بـاستخدام "المولوتوف”، وهي تهمة لا ينكرها "أبو غازي”، بل يعتبر مشاركته في العملية شرفا وواجبا اتجاه وطنه، وجرى اعتقاله بعد تنفيذ العملية بـ8 أشهر.
يؤكد أبوغازي أن المعاناة التي واجهها الأسرى في العامين الماضيين كانت أكبر بكثير من الـ 36 عاما التي سبقتها: طول فترة الأسر كان هناك حضور تنظمي لمساعدة الأسرى، هناك من يدير شؤوننا الحياتية والاجتماعية، خلال العامين الأخيرين غيبت كل التنظيمات، صادروا كل الأشياء من الزنازين حتى الساعات، كنا نعرف وقت الصلاة من خلال النظر في فتحات الشباك الضيقة لتحديد وضع الشمس.
يحكي أبو غازي كيف استقبل الأسرى عملية طوفان الأقصى، ويقول: كان لدينا تلفاز في البداية، لم نتخيل ما يحدث، فرحنا وسخرنا من دولة الاحتلال التي ظلت تتغنى بقوتها، فالمقاومة دخلت بسهولة، كان الأمر يشبه الحلم، لكن لم يمر سوى أيام، حتى صادر الاحتلال كل شيء من الزنازين، ولم نعد نتواصل مع الخارج أو نعرف أي شيء عما يحدث، وفصلوا عنا الكهرباء.

لم ترتفع توقعات أبو غازي بأن يتم الإفراج عنه ضمن صفقات طوفان الأقصى، مشددا على أن أمله في أن يأتي اسمه ضمن الصفقة لم يتعد الـ20 في المئة، مبررا ذلك بأن اسمه لم يدرج في عدة صفقات سابقة منذ عهد الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات وصفقة اتفاقية أوسلو، مرورا بصفقة الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط والصفقة الأولى في طوفان الأقصى.
لفت أبو غازي إلى أن الاحتلال يعتبر بعض الأسرى الذين تمكنوا من تنفيذ عمليات تستهدف مسؤولين كبارا أو ضباطا في المخابرات خطا أحمر لا يمكن السماح بالإفراج عنهم، وإلى أن الاحتلال كان يضعه ضمن هذه الفئة بسبب أن العملية التي نفذها، استهدفت مسؤولة مجلس "يشع” وهو هيئة تمثل المجالس المحلية للمستوطنات في الضفة وغزة، من عائلة موزيس المسؤولة عن جريدة يديعوت احرونوت منذ 80 عاما.
يتحدث أبو غازي عن حبه لمصر وتمنياته البقاء فيها، لكنه ربما يختار الأردن للاستقرار ليكون قريبا من أسرته التي تقيم في الضفة، على أمل أن يراهم قريبا، لكن أسرته تطالبه بالبقاء في مصر.
يلتقط الأسير المحرر أسامة محمد إدريس السعيد الذي قضى 24 عاما في السجون الإسرائيلية طرف الحديث من أبو غازي، ويتذكر لحظة اعتقاله في 26 نوفمبر/ تشرين الأول 2001، ويقول: أصدرت محاكم الاحتلال ضدي حكمين أحدهما بالمؤبد والآخر لمدة 45 سنة.
أسير فلسطيني: الأسير يعيش على أمل تحريره، لكنه في الوقت نفسه يعرف صعوبة الأمر بسبب رفض الاحتلال الإفراج عن الأسرى خاصة أصحاب المحكوميات الكبيرة، أنا من بين أقدم 80 أسيرا في سجون الاحتلال الإسرائيلي
ويضيف: الأسير يعيش على أمل تحريره، لكنه في الوقت نفسه يعرف صعوبة الأمر بسبب رفض الاحتلال الإفراج عن الأسرى خاصة أصحاب المحكوميات الكبيرة، أنا من بين أقدم 80 أسيرا في سجون الاحتلال الإسرائيلي.
معتز الهيموني أحد الأسرى المحررين قضى 24 عاما في الأسر، قال إنه حتى بعد إبلاغه بوجود اسمه ضمن صفقة تحرير الأسرى، ظل للحظة الأخيرة لا يثق في التزام الاحتلال بتنفيذها، لافتا إلى أن الاحتلال كان يوهم الكثير من الأسرى أنهم سيخرجون ويستدعيهم ثم ينقلهم إلى سجون أخرى، وهو الأمر الذي تكرر في السنوات الأخيرة، خاصة مع منفذي عملية استهداف وزير السياحة الإسرائيلي رحبعام زئيفي.
يتفق الهيموني مع كلام زملائه في أن العامين الماضيين كانا الأصعب في حياة الأسرى، من مصادرة كل شيء واعتداءات متكررة وانعزال تام عن العالم الخارجي.
اتهم الاحتلال الهيموني بتشكيل جناح عسكري تابع لجبهة التحرير الفلسطينية، والتخطيط وتنفيذ عملية استشهادية في القدس ردا على رفض رئيس وزراء الاحتلال آنذاك ارائيل شارون رفع الحصار عن كنيسة المهد ومخيم جنين.
وعن تعامل أسرى الفصائل الفلسطينية داخل السجن مع بعضهم البعض، قال إنه قبل العدوان على قطاع غزة، كان تعامل الفصائل داخل السجون مع بعضها البعض على شكل دولة، كل تنظيم يجري انتخابات لاختيار لجنة لمتابعة شؤون الأسرى داخل السجن، وكل لجنة تابعة لتنظيم تنتخب شخصا للتنسيق مع الفصائل الأخرى، وهؤلاء الأشخاص يشكلون لجنة لإدارة الحياة في السجن، الثقافية والتعليمية والمالية والاجتماعية.
معتز الهيموني: دخلت السجن لا أعرف كتابة اسمي وحصلت على الماجستير وكتبت 7 روايات بفضل لجان الأسرى
يحكي الهيموني أنه دخل السجن وكان لا يعرف حتى كتابة اسمه، واستلمته لجنة إدارة السجن، وجعلت أحد الأشخاص يتابع تعليمه، وبعد أربع سنوات من الأسر، تحول لكاتب مقال سياسي، وبعد 8 سنوات بدأ في كتابة الروايات، ونشر له 5 أعمال، وفي انتظار نشر روايتين أخريين.
يقول الهيموني: درست التوجيهي داخل السجن، وحصلت على الشهادة الجامعية والماجستير، كل شيء بفضل حالة التنظيم داخل السجون، عندما يدخل الأسير، تجلس معه اللجنة الاجتماعية، لمعرفة ما يحتاجه من ملابس وأدوات التنظيف، ويسألوه عن وضعه الثقافي والتعليمي، ثم يتولى كل تنظيم تثقيف أعضائه وعقد دورات ثقافية عن أفكاره.

وزاد: تظل تتدرج في التعليم، هذا شيء ملزم، إضافة إلى وجود ساعة مطالعة يومية للقراءة.
وعن اللجنة المالية، يقول الهيموني إن الأسير لا يتعامل مع إدارة السجن في أي شيء، وإن اللجنة تتولى مسؤولية الإنفاق، فمجرد أن تصل الأموال من الأهالي، تتسلمها اللجنة، وتتولى هي الإنفاق، وكل فترة تأتي اللجنة بالفاتورة وهي عبارة عن دفتر يحمل النفقات والمتبقي من الأموال للتوقيع عليها، وتتولى اللجنة مسؤولية الإنفاق على أي أسير يمر بأزمة مالية أو لم تتمكن أسرته من إرسال أموال.
وتابع: ثم يأتي دور اللجنة الأمنية، وهي اللجنة التي تتبع محاولات اختراق إدارة السجن للأسرى، ولجنة الحوار مع الإدارة، وهي اللجنة الوحيدة المكلفة بالحديث مع إدارة السجن.
خلال فترة أسره، شارك الهيموني في إضرابين عن الطعام، أحدهما في عام 2004، واستمر 18 يوما، والثاني في عام 2017 واستمر 45 يوما
خلال فترة أسره، شارك الهيموني في إضرابين عن الطعام، أحدهما في عام 2004، واستمر 18 يوما، والثاني في عام 2017 واستمر 45 يوما، لافتا إلى أنه في كل مرة، يوافق الاحتلال على مطالبهم، وبعد فك الإضراب يتراجع مرة أخرى.
يقول الهيموني إن أول 6 شهور من الأسر كان في نفس الزنزانة مع القيادي الفلسطيني مروان البرغوثي، قبل نقل كل منهما إلى سجن آخر، مشددا على أن الجميع كان يتوقع أن يكون قيادات الفصائل على رأس قائمة الأسرى الذين سيتم تحريرهم ضمن الصفقة، لكن في النهاية الاحتلال يعرف جيدا أن خروج البرغوثي وقيادات الفصائل يعيد رسم الخريطة السياسية في فلسطين، وأن خروجهم سيكون له أثر على الساحة الشعبية العربية.
مراد أبو الرب من جنين قضى في الأسر 20 عاما، وهو من مواليد عام 1980، نفذت شقيقته أول عملية طعن جندي إسرائيلي في الانتفاضة الأولى عام 1990، وظلت في الأسر 5 سنوات، وله شقيق آخر ظل في الأسر عامين، قال: نضال عائلتي وهذه المشاهد التي رأيتها في طفولتي انعكست على وعيي، ففي الانتفاضة الأولى كنت صغيرا فلم أشارك فيها، وعندما جاءت الانتفاضة الثانية كنت ضابطا في السلطة الفلسطينية وقت الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، شاركنا في الانتفاضة من أيامها الأولى، وأول عملية نفذها عسكري اسمه نائل ياسين.
يتذكر أبو الرب أيام الانتفاضة: كنت أدرس في جامعة النجاح الوطنية في نابلس، والحالة الوطنية والسياسية الموجودة في الجامعة بالتأكيد تنعكس على شخصيتك، وحجم الدمار والقتل والتشريد الذي شهدته الضفة في عام 2002، أكد لنا ضرورة وجود حل للقضية الفلسطينية، فأنت أمام مشهد هدم منازل وعائلات فقدت شهيدين أو ثلاثة.
لا تقتصر المعاناة على الأسير بل تمتد لأسرته: أهالي الأسرى يعانون مثل الأسرى تماما، فانا والدي توفي ولم ألق عليه نظره الوداع بسبب الأسر، وحالة والدتي الصحية تمنعها من المجيء إلى القاهرة لرؤيتي.
مراد أبو الرب: شقيقتي نفذت أول عملية طعن جندي إسرائيلي في الانتفاضة الثانية.. وجيل أطفال غزة الحالي سيكون أعنف في الرد على الاحتلال
يؤكد أبو الرب أن جيل الأطفال الموجود الآن في قطاع غزة، سيخرج أكثر تمسكا بأرضه وسيكون أعنف في رده على الاحتلال، لكنه رأى بعينيه الدمار والقتل الذي نفذته آلة الحرب الصهيونية في القطاع على مدار عامين، فمثلا وحدة النخبة في كتائب القسام هي من الأطفال الذين ولدوا بالتزامن مع الانتفاضة الثانية، فالممارسات الإسرائيلية تصنع أجيالا لديها رغبة في الانتقام وتحرير الأرض والتمسك بقضيتها.
يتحدث أبو الرب عن سنوات الأسر: نظام الطعام في السجون وضعه جنرال إسرائيلي، فالإنسان بحاجة إلى 1500 سعر حراري يوميا ليعيش بدون حركة، هم يقدمون لنا يوميا 1200 سعر حراري فقط حتى يستطيعوا السيطرة علينا، ونجد أن معظم الأسرى فقدوا الكثير من أوزانهم داخل السجون، وبالتالي البنية الجسدية تتأثر ولا يمكن للأسير مقاومة السجان.
خلال تواجدهم في مقر الإقامة المؤقت، زار وفد من أعضاء أسطول الصمود المصري الأسرى، للترحيب بهم، وحملوا معهم الأكلات المصرية الشهيرة.
يقول خالد البسيوني منسق أسطول الصمود لـ”القدس العربي”، إن دور الأسطول لم ينته مع انتهاء الحرب وتسليم المساعدات الإنسانية التي جمعها إلى مقر الهلال الأحمر المصري في مدينة الإسماعيلية –شمال شرق مصر- وإن الدور سيستمر لدعم الأسرى الفلسطينيين المبعدين إلى القاهرة، واستمرار جمع المساعدات الإنسانية وتنظيم عملية المقاطعة لداعمي الاحتلال.