الأخبار

قصص الميكروباص: في غزة العربة التي تحمل المدينة

قصص الميكروباص: في غزة العربة التي تحمل المدينة
أخبارنا :  

وردة الشنطي :

في يوم هادئ بعد عاصفة الحرب على غزة، كنت أحد الركاب على هذه العربة، أستمع إلى صخب المدينة من حولنا، وأراقب حركة الناس والأسواق المزدحمة، وأشعر بوجعهم وصمودهم في الوقت نفسه. هنا، لا أسماء تُذكر، ولا وجوه محددة، فقط أرواح تتحرك وسط الخراب والفقر، تحاول أن تبقى على قيد الحياة رغم كل شيء.

ففي هذه الرحلة الصغيرة، تتداخل أصوات الباعة مع صدى خطوات العربة على الطريق، وتمتزج الضحكات الخافتة بالأنين والصمت، لتروي حكاية يومية عن المدينة التي لا تتوقف، وعن الناس الذين يجدون طرقًا بسيطة للبقاء، حتى وسط أصعب الظروف.

في غزة، حيث ترتفع أسعار الوقود وتضيق الطرق بالزحام، يجد السائقون طرقًا مبتكرة لنقل أكبر عدد ممكن من الركاب بأقل تكلفة. كانت العربة الخشبية المعلقة خلف السيارة حلاً شائعًا، تحمل الركاب بين الأزقة الضيقة والأسواق المزدحمة، وتتمايل مع كل مطب وحفرة في الطريق.

كنت أحد الركاب على هذه العربة يومًا، أستمع إلى صخب المدينة من حولنا، وأراقب حركة الناس والأسواق المزدحمة، وأشعر بوجعهم وصمودهم في الوقت نفسه. هنا، لا أسماء تُذكر، ولا وجوه محددة، فقط أرواح تتحرك وسط الخراب والفقر، تحاول أن تبقى على قيد الحياة رغم كل شيء.

ففي هذه الرحلة الصغيرة، تتداخل أصوات الباعة مع صدى خطوات العربة على الطريق، وتمتزج الضحكات الخافتة بالأنين والصمت، لتروي حكاية يومية عن المدينة التي لا تتوقف، وعن الناس الذين يجدون طرقًا بسيطة للبقاء، حتى وسط أصعب الظروف.

ثمن الكرامة

في أحد شوارع مخيم البريج في غزة، كانت سيارة قديمة تشق طريقها ببطء بين الزحام، تجر خلفها عربة محمّلة بالركاب الذين يتنقلون من مكان إلى آخر. جلس خلف المقود رجل في الخمسين من عمره، قسمات وجهه تحكي عن تعب السنين، وعيناه تحملان بريقًا من الصمود ممزوجًا بمرارة الواقع. إلى جانبه جلس راكب صامت يتأمل الطريق، حتى كسر السائق الصمت بصوتٍ جهوريٍ هادئٍ لكنه مليء باليقين: "يا أخي، لا يمكن لحركة "حماس” أن تسلّم سلاحها، لأن في ذلك نهايتنا جميعًا. من دون هذا السلاح سنُصبح لقمة سائغة، وستتسلّط علينا العصابات المسلحة التي صنعها الاحتلال وأطلقها في شوارعنا”.

توقف قليلًا، ثم تابع بنبرة متأملة: "السلاح ليس غاية، بل وسيلة للبقاء، إنه الدرع الذي نحتمي به من ظلمٍ أكبر، من عدوٍ لا يرحم. نحن لا نبحث عن الحرب، بل عن الأمان، نريد أن نعيش بكرامة، نزرع أرضنا ونربي أبناءنا، لكن هذا لن يتحقق إن سُلِبَ منا ما نحتمي به”.

أدار وجهه نحو الطريق، وعيناه تراقبان المارة والعربة التي تتأرجح خلفه. من عاش الحصار، ومن رأى القصف، يعرف أن السلام لا يُمنَح، بل يُصان، وأن الأمان لا يُكتب على الورق، بل يُحمى على الأرض. ظل الراكب يستمع في صمتٍ يشبه الإجلال، بينما واصل السائق حديثه كمن يروي شهادة للتاريخ، شهادة عن مدينةٍ تقاتل كي تبقى، وعن شعبٍ تعلّم أن الكرامة لا تُشترى، بل تُصان بثمنٍ باهظ اسمه الصمود.

بصيص أمل

وفي رحلة أخرى في مخيم النصيرات، كانت العربة الصغيرة تتهادى خلف السيارة، تشقّ طريقها ببطء بين الركام والأنقاض، والغبار يتطاير في الهواء كستارٍ رماديّ يلفّ المشهد بالحزن. جلس على العربة راكبان، أحدهما شيخٌ تجاوز الستين، والآخر شابٌ في الثلاثين من عمره، يحمل نظراتٍ تائهة بين الخراب الممتدّ أمامهما.

مرّا بجانب بيتٍ لم يبقَ منه إلا جدارٌ واحد يترنّح في وجه الريح، فتنهد الشيخ وقال بصوتٍ متهدّجٍ تغلفه الحسرة: "من سيعيد بناء كل هذا الدمار؟ أنظر حولك يا ولدي، كل زاوية هنا كانت حكاية، كل حجر كان يحمي ذاكرة، والآن لم يبقَ سوى الرماد”.

صمت الشاب لحظة، وهو يتأمل ركام بيتٍ كانت تتدلى منه ستارةٌ محترقة، ثم قال: "ربما نعيده نحن، كما فعلنا من قبل، هذه ليست المرة الأولى التي تُهدَم فيها بيوتنا، ولن تكون الأخيرة، ما دام القلب ينبض فسيعود الجدار واقفًا”.

هزّ الشيخ رأسه بحزن، ثم قال: "أخشى أن التعب قد نال من الناس، وأن الانتظار طال، وأن الألم أثقل القلوب، لم يعد فيهم من القوة ما يكفي لإعادة البناء كل مرة”.

ابتسم الشاب ابتسامة خفيفة وقال بثقةٍ ممزوجة بالوجع: "لكنهم ما زالوا هنا، وما داموا هنا فلن تنكسر غزة، ربما تتأخر الأيادي، وربما تضعف السواعد، لكن الإرادة لا تموت، سنعيد الحجر فوق الحجر، وسنروي الأرض من جديد”.

ساد الصمت بينهما للحظة، والعربة تمضي بين الركام، لكن في أعينهما كان بصيص ضوءٍ صغير يشبه وعدًا غير معلن بأن ما تهدّم اليوم سيُبنى غدًا، وأن الحياة، رغم كل شيء، لن تتوقف.

مرارة الواقع

جلست المرأة على العربة بين الركاب، تراقب السوق من حولها بصمت، سلة خضراء فارغة أمامها. لم تشترِ شيئًا، لكن عينيها تتتبع كل حركة، كل نداء للباعة، وكل بائع يحاول جذب الزبائن بصوت مرتفع. كانت السيارة تتحرك ببطء بين الأزقة الضيقة المزدحمة بالركام، والعربة تتمايل، وكأنها جزء من المدينة نفسها، جزء من حياة الناس التي لا تتوقف رغم الفقر والحصار.

سمعت صوت بائع ينادي بصوت مرتفع: "بندورة، بطاطا، خيار”، فتنهدت المرأة وقالت لنفسها بحسرة: "جاعت الناس وخلصت مصاريها، ولما خلصت، رخصت الخضرة”.

أمالت رأسها على جانب العربة ونظرت إلى وجوه الباعة الجالسين خلف أكوام الخضار، وجوههم شاحبة، وعيونهم تبحث عن مشترٍ، لكن السوق شبه خالٍ. تمتمت: "زمان لما كان الناس معها، كانت الأسعار نار، واليوم لما صاروا ما معهم، صار الخير كثير، بس ما في مين يشتري”.

راقبت بعض وجوه الناس على العربة، وشعرت بمرارة الواقع تتسلل إلى قلبها: "مش البندورة اللي رخصت، اللي رخص هو الحال، الناس صاروا يحسبون رغيفهم وعدد أولادهم، والخضرة اللي كانت زينة البيوت صارت ترف ما نقدر عليه”.

أغلقت عينيها للحظة، ثم فتحتها وقالت بنبرة هادئة: "يمكن بكرة الله يفرّجها، يمكن ترجع الأيام اللي فيها الغلاء بركة، مو فقر”.

وبينما السيارة تواصل السير والعربة تتمايل خلفها، شعرت المرأة أن صمتها وسط الركاب يحمل صوت المدينة كلها، صوت الفقر والصمود، وصدى الأمل الذي لم يمت رغم كل شيء.

وفي غزة، حيث تمتزج مرارة الواقع بصمود الناس، تصبح الطرق المزدحمة والعربات الخشبية أكثر من مجرد وسيلة نقل، فهي مسرح صغير يروي قصص المدينة وصبر أهلها. بين الركام والأنقاض، وصخب الباعة، وحديث السائقين عن الأمان، وبصيص أمل في أعين الركاب، تتكشف قدرة الإنسان على المقاومة والعثور على حياة رغم الألم المستمر.

فمن الركاب على العربة إلى الشباب الذين يلتقطون رماد بيوتهم ليعيدوا بناءها، يظهر الأمل في أبسط الصور، ويصير كل يوم جديد فرصة للتمسك بالوجود رغم الصعاب. وبين صمت الحارات وصخب السوق، وبين الدموع والضحكات، تبقى غزة مدينة تحكي عن صمودها، وعن أهلها الذين يعرفون أن الحياة، مهما قست الظروف، لا تتوقف. ــ القدس العربي

مواضيع قد تهمك