اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د . صالح ارشيدات يكتب : إربد أيقونة الثقافة العربية وملهمة الإبداع

د . صالح ارشيدات يكتب : إربد أيقونة الثقافة العربية وملهمة الإبداع
أخبارنا :  

إربد: مدينة الثقافة والتاريخ المتجدد
تُعَدُّ إربد، عاصمة الشمال الأردني، واحدة من أعرق المدن التي تشهد على تعاقب الحضارات وتنوع الثقافات، حيث تمتزج فيها الأصالة بالعصرية لتشكل مركزاً ثقافياً مشرقاً. فهذه المدينة، ثالث أكبر مدينة في الأردن، لطالما كانت مسرحاً للأحداث الثقافية والاجتماعية، ومساحة تلاقٍ للإبداع الذي ينبض في كل زاوية من زواياها، مما جعلها مركزاً ثقافياً يستقطب الأدباء والشعراء والفنانين من مختلف الأرجاء.

إرثٌ ثقافي يمتد عبر العصور
منذ العصور القديمة، كانت إربد شاهدة على حراك حضاري مستمر، حيث تعاقبت عليها حضارات عظيمة تركت أثراً لا يُمحى في ذاكرة المدينة. كانت إربد بوابة التواصل بين الشرق والغرب، فجذبت الأشوريين والفراعنة والبابليين، واحتضنت الإغريق والرومان، الذين أعادوا بناها وأطلقوا عليها اسم "أرابيلا". ومع مرور الزمن، أصبحت جزءاً من مدن الديكابوليس العشر، التي اشتهرت بتجارتها المزدهرة وثقافاتها المتنوعة.

وفي العصر الإسلامي، تبوأت إربد موقعاً استراتيجياً مهماً كبوابة للفتوحات الإسلامية نحو بلاد الشام، حيث شهدت معركة اليرموك الحاسمة التي غيرت مجرى التاريخ. وتحتضن ضواحيها مقابر الصحابة الذين استقروا فيها، مما جعلها مزاراً دينياً وتاريخياً للعديد من الزوار.

لم تكن إربد مجرد مدينة تاريخية، بل لعبت دوراً بارزاً في الحركة الوطنية الأردنية، حيث أسهمت في الثورة العربية الكبرى وساهمت في تأسيس إمارة شرق الأردن. ومن أبرز شخصياتها، اللواء علي خلقي الشراري، الذي قاد معارك الثورة ورافق الأمير فيصل في مهماته الدولية، كما ساهم ممثلا اربد في مجلس المبعوثان عبدالرحمن ارشيدات وسليمان السودي عام 1920 في المؤتمر السوري التصويت على قرار اعلان استقلال سوريا الطبيعية ووحدتها ونادوا بالامير فيصل بن الحسين ملكا عليها.

نهضة أدبية ومعرفية ملهمة
عرفت إربد نهضة ثقافية حديثة، حيث برز منها شعراء وأدباء أثروا الحياة الأدبية الأردنية. كان الشاعر مصطفى وهبي التل، المعروف بلقب "عرار"، رمزاً للشعر الوطني والاجتماعي، حيث عبَّر من خلال قصائده عن هموم الشعب وتطلعاته، وكان يجمع في شعره بين الأصالة والتجديد. كذلك الشاعر حيدر محمود، الذي ترك بصمة واضحة في الشعر العربي المعاصر بقصائده وأعماله المسرحية المتميزة. كما ضمت المدينة نخبة من الأدباء المعروفين، مثل الدكتور علي محافظة وسليمان الموسى، اللذان أغنيا الأدب الأردني والعربي.

مؤسسات ثقافية نابضة بالحياة
تعد إربد موطناً للعديد من المؤسسات الثقافية التي تشكل ركيزة أساسية للحياة الثقافية في المدينة. من بين هذه المؤسسات، المركز الثقافي في إربد والجمعيات الأدبية والفنية التي تنظم باستمرار فعاليات متنوعة، تشمل الأدب والفنون والموسيقى. وتزخر إربد بالمكتبات العامة ودور النشر التي توفر مصادر غنية للمعرفة، مما يعزز من حركة التثقيف والتبادل الفكري.

وفي عام 2022، تم اختيار إربد كعاصمة للثقافة العربية من قبل منظمة اليونسكو، مما شكَّل محطة فارقة في تاريخ المدينة الثقافي. شهدت المدينة خلال ذلك العام تنظيم أكثر من 500 فعالية ثقافية وفنية، محلية وعربية، مما ساهم في تسليط الضوء على التنوع الثقافي العميق الذي تتمتع به إربد، وعكس غناها التراثي والفكري أمام العالم.

التعليم والفنون: منارات للمعرفة والإبداع
تحتضن إربد مجموعة من الجامعات العريقة التي تشكل مراكز إشعاع علمي وثقافي، منها جامعة العلوم والتكنولوجيا وجامعة اليرموك وجامعة جدارا الاهلية وجامعة اربد الاهلية، حيث تُنظَّم فعاليات ثقافية وأكاديمية باستمرار، تتنوع بين المحاضرات والندوات والمعارض الفنية. وتعتبر إربد منبراً للفنانين الشباب الذين يُبدعون في مختلف مجالات الفنون التشكيلية والمسرح والموسيقى، مما يساهم في إثراء الساحة الثقافية ويُحفز الأجيال الجديدة على التفاعل مع تراث المدينة وتاريخها الغني.

إربد وجهة أثرية وسياحية متميزة
تضم إربد العديد من المواقع الأثرية الفريدة التي تجذب السياح من مختلف أنحاء العالم. تعتبر أم قيس، أو "جدارا"، واحدة من أبرز المعالم الأثرية في المنطقة، بآثارها الرومانية واليونانية التي تُظهر عظمة تلك الحقبة. وتتميز المدينة بإطلالاتها الساحرة على بحيرة طبريا، بالإضافة إلى النفق المائي التاريخي الذي يمتد إلى سوريا، مما جعله معلماً سياحياً استثنائياً.

تشمل المواقع الأثرية أيضاً "بيلا" التي تعود للعصر البيزنطي، و"حرثا" التي تُعرف باسم "أبيلا" وتحتضن آثاراً رومانية محمية، بالإضافة إلى "بيت راس" التي تضم آثاراً تعود للعصر الروماني. إن هذه المواقع تُبرز عمق الحضارة والثقافة التي مرت على إربد عبر الزمن، وتظل شاهداً حياً على تاريخها العريق.

الرياضة والثقافة: تكامل وتفاعل مستمر
تلعب الرياضة في إربد دوراً هاماً في تعزيز الروح الثقافية والاجتماعية، حيث تُعقد الفعاليات الثقافية والفنية بالتزامن مع الأحداث الرياضية، مما يعزز من تبادل الأفكار ويُحفِّز على المشاركة الفعَّالة بين أبناء المجتمع. تُسهم المنشآت الرياضية في استضافة البطولات والمسابقات التي تجمع الشباب من مختلف الخلفيات، مما يعزز من روح الانتماء والوحدة بين سكان المدينة.

إربد مدينة الإبداع المتجدد
إربد ليست مجرد مدينة ثقافية، بل هي رمز للإبداع المتجدد الذي لا يتوقف. تحتضن المدينة مجموعة واسعة من الفعاليات والمهرجانات التي تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وتتيح للشباب فرصة التعبير عن مواهبهم وإبداعاتهم. تظل إربد منارة للأدب والفن، وتستمر في إنتاج الشخصيات المؤثرة في المجتمع العربي، مما يجعلها وجهة مميزة لكل من يسعى لاستكشاف الثقافة العربية بكل تفاصيلها العريقة.

في الختام، تظل إربد رمزاً للثراء الثقافي والإبداع في الأردن والعالم العربي. هي مدينة تتنفس الأدب وتحتضن الفن، وتستمر في تطوير نفسها كمنارة للحضارة والإنسانية، مما يجعلها وجهة لا تُنسى لكل عشاق الفنون والثقافة.

مواضيع قد تهمك