خبراء: ضعف إقبال الشباب على الزواج .. لهذه العوامل وألاسباب
مؤتة - ليالي أيوب
الكركي: الظرف الاقتصادي الأكثر تأثيراً على عزوف الشباب .
أرجع خبراء وعلماء نفس واجتماع ومهتمون بالشأن الاجتماعي والمجتمعي، ضعف إقبال الشباب على الزواج إلى عوامل وأسباب عدة، من أبرزها: الظروف الاقتصادية الصعبة وعدم الاستقرار المالي للغالبية والحاجز السيكولوجي الناجم عن تزايد حالات الطلاق وعدم الاستقرار بعد الزواج، إضافة إلى قلة الوعي وضعف القدرة على التعامل مع المتغيرات الحياتية بشموليتها.
وفي حديث الرأي، أكدت أستاذة علم النفس في جامعة مؤتة الدكتورة وجدان الكركي أن بناء الأسرة السليمة يقوم على أسس عاطفية ومعرفية وروحية وإن استمراريتها وقيامها بدورها تعد لبنة أساسية لبناء المجتمع، حيث يحقق الاستقرار الأسري والأمن النفسي والمجتمعي.
ولاحظت الكركي تزايدا لافتا في عزوف الشباب عن الزواج في هذه الأيام وتأخر سن الزواج للشباب والشابات، وهو بتقديرها يمثل أزمة نفسية واجتماعية وأخلاقية، قائلة» إن الاستقرار النفسي يتحقق من خلال الزواج الذي يمثل هدفا يفترض تحقيقه في مرحلة الشباب لإشباع الميل الفطري بشكل آمن مما يسهم في توجيه الشباب والشبات لمتابعة مسيرتهم في بناء المجتمع نظرا لتوافر الاستقرار العاطفي».
غير أن الظروف الاقتصادية تمثل، وفق تقدير الكركي، الأكثر تأثيرا في عزوف الشباب عن الزواج نظرا لعدم توافر فرص العمل الملائمة ولتكاليف الزواج الباهظة، خصوصا وأن تكاليف الزواج كاملة يتحملها الزوج في المجتمع الأردني مما يرهق الشباب اقتصاديا وعاطفيا ونفسيا.
ولفتت إلى تأثير التطور التكنولوجي والانفتاح على الحضارات الأخرى والميل إلى التقليد الأعمى باستحداث عادات جديدة، يصعب ملاحقتها، التي تضيف المزيد من العبء المادي والنفسي على المقبلين على الزواج، مما قد يدفع الشباب إلى اللجوء للاقتراض الذي يثقل كاهل الزوجين في بداية حياتهم الأسرية ويحفز على الخلافات.
وأشارت إلى أن ارتفاع نسبة الطلاق في الأردن يدلل على وجود مشكلة حقيقية تتطلب تضافر الجهود لمواجهتها، وذلك من خلال توفير فرص العمل للشباب والشابات وتخفيف تكاليف الزواج.
ولفتت إلى ما يواجهه الشباب من ارتفاع المهور والكثير من العادات والتقاليد المرهقة ماديا للمقبلين على الزواج.
وأوضحت أن عزوف الشباب عن الزواج ينعكس أيضا على الفتيات مسببا تأخر سن الزواج للجنسين وما يتبع ذلك من مشاكل عاطفية وانفعالية ونفسية واجتماعية مما يتطلب توفير الحلول لمواجهة ذلك، وحضّت على توفير فرص العمل اللائق الملائمة للشباب والشابات ومكافحة البطالة، إضافة إلى استثمار طاقاتهم من خلال المشاريع الإنتاجية التي ترفد الوطن اقتصاديا.
وبينت أن ذلك قد يتحقق من خلال التشجيع على العمل من المرحلة المدرسية، بحيث تتضمن المناهج المدرسية التدريب على العمل والمهن كجزء أساسي من اليوم المدرسي والتخفيف من المناهج النظرية وتشجيع النوادي المدرسية المحفزة للعمل والإنتاج، والاعتماد على النفس اقتصاديا مما يسهم في الشعور بالإيجابية والإنتاجية وتحقيق الهوية ويخلصهم من الشعور بالعجز والاعتمادية.
ودعت إلى ضرورة تضافر جهود المؤسسات التربوية والاجتماعية والإعلامية لإعادة البناء المعرفي للشباب والفتيات ليكونوا أصحاب القرار في التخفيف من التكاليف والشكليات والعادات والتقاليد التي ترهق الشباب المقبلين على الزواج.
كما دعت إلى تعزيز النظر للدور الجوهري للأسرة على أنها موطن للسكن والمودة والرحمة وأنها اللبنة الأساسية لبناء المجتمع، وضرورة مواجهة النكات الساخرة والأفلام التي تشوه جمال وقدسية العلاقة الزوجية وتهمش دور الأسرة، وتعزيز الثقافة التي تركز على أهمية الزواج والأسرة في سعادة الفرد والمجتمع.
من جانبه، أوضح الباحث الاجتماعي الدكتور راكز الحباشنة أن الأسباب النفسية والصحية للفرد لا تقل تأثيرا وأهمية عن الأسباب الاجتماعية والمادية في تسببها بانخفاض الإقبال على الزواج ما بين الشباب وأفراد المجتمع بشكل عام.
ولفت إلى ما تسببه التجارب السابقة المؤلمة، التي تترك الأثر الكبير على الشخص، مما يجعله ينطوي وينغلق على نفسه، كنوعٍ من أنواع الدفاع الذاتي عن النفس، خوفاً من تكرار الألم الذي تعرّض له في السابق.
وأكد الحباشنة أن الانفتاح على وسائل الاتصالات يعد بعدا مهما لما تشكله عناصر التكنولوجيا التي تتمثل بوجود العديد من وسائل الاتصال المرئية مثل الفيسبوك والتويتر وسائر وسائل التواصل الاجتماعي من دور في ملء الجفاف العاطفي المفقود وساهمت في بناء ما يسمى بالعشق أو الحب الافتراضي الى تراجع الزواج، حيث يلتقي الشباب مع كثير من الشريكات الافتراضيات وبشكل متعدد ومتغير ومتجدد وبشكل غير مكلف.
وبدوره، أوضح استاذ علم الاجتماع في جامعة مؤتة الدكتور رامي العساسفة، مستندا للدراسات الاجتماعية والاحصائيات، أن فكرة تكوين الأسرة وبخاصة في مجتمعنا الأردني ترتبط غالبا بمنظور التخطيط قصير الأمد للمستقبل، فنجد أن معظم الشأن الفكري المرتبط بهذه الحالة مرتبط بالتكاليف وبصورة غير سوية من حيث الأولويات مما يؤثر على حركة هذا المشروع في تحقيق أهدافه وتسارع حالات الانفصال والطلاق، الأمر الذي يشكل صورة قاتمة وغير متفائلة لشريحة الشباب الذين يصلون إلى سن الارتباط فيؤدي ذلك إلى خلق حاجز سيكولوجي في دواخلهم تجنبا للإشكال الاجتماعي المتوقع مما يؤدي إلى انخفاض في عدد الحالات المقبلة على الزواج.
ولاحظ العساسفة وجود حالة من الضعف في الوعي والنظر بحكمة وعقلانية لطبيعة التغيرات التي تعصف بالمجتمع منذ سنوات، التي لم تواكبها حالة موازية من توسيع مظلة التوعية والدعوة إلى التعلم والتدريب، مضيفا كسب المهارات الشخصية والاجتماعية ترافقا مع فكرة توفر الدخل والوظيفة من أجل الزواج.
ولفت إلى أن شريحة ليست قليلة من الشباب أصبحت تنظر للزواج المتأخر نظرة أكثر رغبة من الزواج في سن مبكر طلبا للمزيد من الوقت للعثور على أنفسهم واكتشافها ضمن حالة الغموض الاقتصادي وضعف التعرف إلى مؤشرات مستقبلهم المالي والوظيفي والنفسي، لاعتقادهم أن المساحة الطويلة من الوقت في الزواج تمنحهم الثقة وتقوي العلاقات وتعلم التواصل.
ورأى أن فكرة الزواج كمؤشر رمزي بالنسبة للشباب ودليل على الالتزام وتحديد استقرار الشباب، التي سادت عبر عقود طويلة، أصبحت ضعيفة الآن.
ويعتقد أنه يحق للشباب النظر إلى أن هناك فوائد مالية للزواج وانتظار الارتباط بفتاة عاملة أو ذات دخل مالي مرتفع، لكن لا ينبغي أن يكون هذا فقط دافع الزواج لديهم.
وينبه إلى أنه إذا كانت هذه الشريحة تؤجل الزواج لأنها تنتظر الشخص الأفضل أن يأتي، فقد تحتاج إلى إعادة تقييم الأفكار لديها، وذلك لكون الزواج والالتزام طويل الأمد يتمحور حول النمو معا وقبول بعضنا بعضا خلال فترات الصعود والهبوط ضمن تجارب الحياة واختباراتها ولا يتعلق الأمر بإيجاد شخص مثالي لا يتغير نفسيا أو ماليا.
ويشير استاذ الدراسات الفقهية والقانونية في جامعة مؤتة الدكتور محمد الرواشدة إلى وجود تراجع في أعداد حالات الزواج وفق تقرير دائرة قاضي القضاة هذا العام، ولعل ذلك يرجع إلى أسباب اقتصادية واجتماعية وارتفاع تكاليف المعيشة والبطالة بين صفوف الشباب وغلاء المهور والمظاهر الإجتماعية المُبالغ فيها كحفلات الزواج إضافة إلى عزوف الشباب ذكوراً وإناثاً عن تحمل مسؤولية بناء وتكوين أسرة.
ودعا إلى ضرورة إجراء مقارنة بين نسب الإقبال ما قبل جائحة كورونا وبعدها، ليتضح من خلال ذلك أن فترة كورونا ازدادت حالات الزواج والنسب لأسباب تعود لما أوجده تخفيف الأعباء من إقبال على الزواج. ــ الراي