الأخبار

عدي صافي يكتب : لماذا اللويبدة؟

عدي صافي يكتب : لماذا اللويبدة؟
أخبارنا :  

لماذا اللويبدة؟ لماذا يعودُ الهاربُ من الحُبّ والرُكام إلى اللويبدة؟ هناك، حيثُ خُلقَ الحُبّ أصلاً، ووقعت الفاجعة!

أهي أزهارُ الياسمين من تبعث الحنين في نَفس العائد الممزقة، رائحتُها النفاثة، أوراقها المتفتحة، أغصانها المتمسكة بالمكان، كتمسكِنا بالعائلة؟

أم تِلك الحجارة العتيقة، الصامتةُ منذُ بدءِ الخَلق، من تفتُنَهُ ليتحسسَ تضاريسها المتعرجة وكأنّها أُنثى من طين، طينٌ لا يتفتت وإن ضربته الريح وقَست عليه الأمطار؟

عُدتُ إلى اللويبدة، وسطَ عَمان، حيثُ التُراثُ الأوحد لمدينةٍ يتآكلُ تاريخها، حيثُ الناس من كُلِّ منبَت، وحيثُ قَتلَ الرُكام أطفالاً رُضَّع، أو رُبّما الفقر، لا بلّ هو الفساد!

عُدتُ متأنقاً كعادتي، أسيرُ متمختراً في منطقةٍ أخذت جُزءاً من عَديّ، فصيّرتني لأمتزجَ بها، رَسمت طابعها على وجهي، حَفرت الحُبَّ في قلبي، نَقشَت اللباقة فوقَ لساني، ومنَحتني نباهةً لأقرأَ كما أمرَ الله، ولأكتبَ بما يُرضي الله.

سؤلت، لماذا اللويبدة؟ توجهتُ إلى دارة الفنون، نَزلتُ الدَرج بكُلِّ رويّ، كانت الشمس ساطعةً دافئةً كَقَلبي، والهواء باردٌ كَيَديّ، وصلتُ من بينِ الآثار إلى نُزُلٍ صُممَ ليحتضنَ النَحل، نعم فُنُدقٌ للنَّحلّ في اللويبدة، هو عبارة عن عامود من خَشب، يحوي ثقوباً صغيرة، كُلُّ ثُقبٍ لنَحلة؛ علّها تختبئ من البَشر.

طرقتُ بيدي وبهدوء على العامود، فخَرجت نَحلة كانت تغطُّ في نومٍ عميق، التفّت نحوي وأصدرت صوتاً تعبرُ بهِ عن استيائها من فِعلتي وازعاجي، فقلت لها، صبراً أُريدُ إجابةً على ما سؤلت.

قالت: أُنظر إلى لَوني وإلى الشمس، وما تراه، هو أولُ اجابة ستحصلُ عليها، وليست الأخيرة.

نظرت كثيراً، تنبهتُ إلى أمرٍ فقلت: يا نحلة، إنّ الشمس، مثلُ الفتاةِ التي أُحبّ! هي، تولجُ المكانَ الذي تتواجد، بنورٍ جاءَ من العلياء، فيشرقُ مُحيى كُلُّ من حَضَر! هي، أي أميرتي، تُغدقُ الكونَ بحسنِها، النجوم تتراقصُ في كفوفِ يدِها، والقَمَر يعكسُ صورتهُ في عينيها؛ كي لا يُنسى من ذاكرةِ البَشر؛ فقد كانَ قبلَ أنّ تُخلَق، رمزاً عندَ الناسِ، ومَضّرَباً للجمال!

الزمنُ بجبروته، يتوقفُ عنّدَ نظرةِ لِحاظِها، وارواحُ الملائكة،تسكنُ أظافرها المطلية بالأحمرِ الفاتن، وغذائرها السوداء سَلبَت لونَ وحُسنَ المساء...وصدرها كتفّاح الجنّة! هي فرسٌ أصيلةٌ،شامخةٌ صاحبةُ آنفةٍ وكبرياء!

طارت حولَ رأسي، وودّعتني، ثمَّ عادت إلى النوم.

مشيتُ نحوَ الحجارة والمسرح الصغير، في دارِ الفنونِ ذاتِها، جلستُ على مقعدٍ من الحَجَر، وقُلتُ لعمودٍ صامدٍ من الحَجر، يا أيها الصَنم، أُريدُ إجابة.

تنهدَ من سباتٍ عَميق، بعدَ أن صمتَ منذُ بدءِ الخَلق، نفضَ التُراب عنه، قال: تَحسسني بيديك.. قمتُ من مكاني، سارت يدي على تضاريسه المتعرجة، ظننتهُ امرأةً من طين، طينٌ لم ولن يتفتت رُغمَ الريحِ والمطَر، تماماً ككيدِ المرأة الذي صاحبها منذُ الأزَل، وإلى الأبد!

قالَ الصَنم: يا هذا، المرأة الناضجة، العشيقةُ المتيّمة، الزوجة الصالحة، هي التي تُعامل زوجها أو عَشيقها وكأنّهُ فارسُها المغِوار، تارةً؛ فيشعرُ برجولتهِ ويرى أنّهُ متلبسٌ بضدّها من صفات الرجولة، وتارةً تعاملهُ وكأنّهُ طفلها الرَضيع فتلبَسُ رداءَ الأُمّ؛ هو، سيلجأُ حينها لصدرِها؛ باحثاً عن طمأنينةٍ سلبها العالمُ منه.

من اختار امرأةً ناضجة، عاشَ عيشةً رغدَا، وغدا من الناجحين المُخلّدِ ذكراهم في صفحاتِ البشر؛ لأنها ستفهمُ آنفتهُ وستروضُ كبرياءه.

صَعدتُ الَدرج، قَعدتُ بجوارِ النافورة، شَربتُ القَهوة، ودَخنتُ بتَلذّذ، ثمَّ رُحتُ نحوَ المكتبة، وصلتُ إلى بابها الذي خُلِقَ من الخَشَب، دخلتُ نحوَ الوَرق.

قالَ لي الكِتاب: أينَ تجدُ الفِردوس؟

قلت: أجدُ فردَوس الله في وجهها، رائحةُ عِطرها، نبيذُ كَلِماتِها، دفءُ قَلبِها، هذا الذي يدّفعُني!

فقالَ الكِتاب،إياكَ أنّ تكونَ كما الحَطّاب؛ فقد صَنعَ امرأةً من خَشَب، ولمّا صَنعَ لها قلباً أحبّت الباب؛ لأنَّهُما أبناء غابةٍ واحدة!

تركتُ الكِتاب، وكَسرتُ البابَ حِقداً وغيرة، وهربتُ إلى أسوارِ الياسمين، في أزقةِ اللويبدة، قطفتُ الزهرةَ الأولى، ثمَّ سألت النَبتة عن سرِّ تمسكِها بالمكان، فقالت صاحبةُ الرائحةِ النفاثة: "حين وجدت يا عَديّ نَفسي مخلوقةً بلا أغصان، اخترتُ أن أمدَّ عطري يدًا تنثرُ الجمالَ في كلّ مكان"، وهذا اجابةٌ لسؤالك، لماذا اللويبدة؟.. فقلت: أحملُ الشمسَ في راحاتي، وعقودَ الياسمين...

ترَكتُ الورد والرائحة، وأخذتُ نفساً عميقاً، هيأتُ ذاتي، وتوجهتُ نحوَ الفاجعة، حيثُ سَقطَ الرُكام، هناك تُظلِمْ اللويبدة على غيرِ عادتِها، وقفتُ على الأنقاض، رأيتُ الكُتُب، أقلام الصِغار، وأغصانُ أشجارِ الكِبار، بلاطُ الغُرفة المهترء، الكَنبَة التي أنقذت رَضيعة، والحديدُ الصَدء الذي سَلبَ روُحاً، وقَتلَ قلوباً شتّى!

هنا، كانت التغطية الصحفية، هناك، بَكيتُ على موت رَضيعةٍ ثانية، وفي الزاوية جلسنا فجرَ الجمعة منتظرين الخِتام، وعلى الرصيف أقمّنا الصلوات، ومن أعلى الجِدار كنّا نسترقُ المشهد؛ لنعرفَ في أيِّ طابقٍ يجاهدون.

قلت: إلى كُلِّ الأرواح التي غادرت نحوَ السماء، اسمعوني بقلبٍ أبيض، وعقلٍ غيرِ مشتت، يا سادة، قيل في مقارنةِ إبليس وأدم، "أنّ إبليس، طاووس الملائكة، عابدٌ من طراز رفيع، ملتزم بالصلوات، مثالي، مخلوق من النار المليئة بالحركة. آدم، مخلوق حديث عهد بالوجود، بلا أجنحة ولا أيّ مؤهلات جسميّة، مخلوق من طين، طين غير قادر على الحركة ولا على أن يكون غير محقور.

إبليس القريب من الله، العابد بالإرادة، يُنحّى جانباً ويعلّم الله آدم الأسماء كلّها، إبليس يملك ميزان بكفّة راجحة له دائماً ويجد هذه نقطة على الله، الله يطلب السجود لآدم إبليس يصرّح باعتراضه، إبليس أخطأ.

إبليس يقنع آدم بالأكل من الشجرة المحرّمة (الخلود/المعرفة)، إبليس أذكى من آدم، آدم يأكل منها، آدم أخطأ.

لو قارنّا خطأ آدم بخطأ إبليس نرى أنّ آدم أخطأ ليتعلّم، ليستكشف، ليرى ما لا يراه، إبليس أخطأ لأنّه يرى نفسه إلهًا حتى على الله، ولأنّه يرى أنّه أفضل من آدم من كلّ النواحي، هنا كان الشيطان ملاكاً ذات خدعة".

وأنتم، أخطأتم عندما وثقتِم بأسمنتٍ صُنعَ من الفَقر، أخطأتهم، لأنكم أردتم الإستكشاف، ورؤية ما لا ترونه، عاقبةُ آدم كانت الهبوط، وعاقبتكم، كانت الوفاة، ولكن، الفقر، والفساد وأهله، أخطأوا، أخطأوا لأنهم رأوا أنفسَهم بشراً حتى على البُسطاء، همّ، يرونَ أنهم أفضلُ من البُسطاء، من كُلِّ النواحي، وعاقبةُ الفقرِ وأهلُ الفساد، جهنمٌ وبئسَ المصير، نارٌ لظّى وتَحقير.

مشيتُ إلى الدوار،وقفتُ وأنا مدركٌ للإجابة عن سؤال محمد الحريري والزميلات، "لماذا اللويبدة؟"...

أُجيب، اللويبدة وببساطة، لأنّني حينَ أعودُ إليها، أشعرُ أنني أعودُ لحُضنِ من أُحبّ، فأطمئن، وما أعظمَ الطمأنينة حينَ تُفقدُ، يا ناس...

مواضيع قد تهمك