الحكومة الفرنسية في مواجهة أسبوع اجتماعي وسياسي شديد الحساسية
تواجه الحكومة الفرنسية أسبوعا جديدا يبدو حاسماً ومليئاً بالتحديات السياسية والاجتماعية، في ظل استمرار الاحتجاجات الطلابية والنقابيّة ضد الأوضاع المعيشية، ووسط خلافات برلمانية عميقة بشأن موازنة العام الجديد.
تتصدر الاحتجاجات الطلابية المشهد مع عودة تلاميذ المدارس الثانوية وطلاب الجامعات إلى مقاعد الدراسة، هذا الاثنين الـ 2 نوفمبر، بعد عطلة مدرسية استمرت أسبوعين؛ حيث دعت منظمة "طلاب الثانويات) وعدد من النقابات إلى تنظيم تحركات احتجاجية وعرقلة الدخول إلى المدارس والجامعات يومي الاثنين والثلاثاء، في محاولة لمواصلة الضغط على الحكومة ودفعها إلى الاستجابة لمطالب الشباب؛ بعد أن فشلت الإجراءات الحكومية حتى الآن في احتواء موجة الغضب الشعبي التي تشهدها البلاد منذ بداية العام الدراسي.
للتذكير؛ الاحتجاجات التي سبقت العطلة المدرسية قبل أسبوعين، كانت قد أدت إلى إغلاق جزئي أو كلي لنحو 400 إلى 500 مدرسة ثانوية في مختلف أنحاء البلاد، فيما ظل الوصول إلى نحو 200 مؤسسة تعليمية مضطرباً خلال الأسبوع الأخير قبل العطلة.
في محاولة لاحتواء الوضع، أعلنت الحكومة في الـ 26 أكتوبر عن حزمة من الإجراءات لاحتواء الغضب الطلابي، تضمنت: تحسين منصة التوجيه الجامعي المثيرة للجدل، بحلول عام 2028، وهي منصة مخصصة لتسجيل طلبات الالتحاق بالتعليم العالي بعد الحصول على شهادة البكالوريا. ينتقدها التلاميذ والطلاب لكونها في نظرهم، لا تضمن تكافؤ الفرص في الالتحاق بالجامعات والمعاهد، وتثير القلق والغموض بشأن مستقبلهم الدراسي.
كما أعلنت الحكومة عن توفير 15 ألف مقعد جامعي إضافي، وتوظيف 500 مدرس في المدارس الثانوية، وتحديد سقف أقصى يبلغ 28 تلميذاً في أقسام السنة الثانية الثانوية، وتخفيف تأثير نتائج التقييم المستمر في عملية القبول الجامعي، وتخصيص موارد إضافية لترميم المؤسسات التعليمية.
رغم هذه الوعود، ما تزال المنظمات الطلابية تعتبر أن الإجراءات المعلنة غير كافية، فيما عبّر الرئيس إيمانويل ماكرون عن أمله في استئناف الدراسة بصورة طبيعية، مؤكداً أن عودة الطلاب إلى الفصول الدراسية تمثل ضرورة لحماية مستقبلهم.
تعبئة نقابية ضد غلاء المعيشة
بالإضافة إلى ذلك، تستعد النقابات لإضراب عام يوم الخميس الـ 5 نوفمبر، بمشاركة قطاعات من القطاعين العام والخاص، في جولة تعبئة تهدف إلى الضغط على الحكومة بغية الاستجابة لمطالب الطلاب والعمال، لاسيما في ما يتعلق بتراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، في ظل استمرار ارتفاع أسعار الوقود.
الأمينة العامة للكونفدرالية العامة للشغل، صوفي بينيه، اعتبرت أن الإضراب يمثل خطوة جديدة لتوسيع نطاق التعبئة الاجتماعية ورفع مستوى الضغط على السلطات.
وتخشى السلطات من أن تتحول المظاهرات إلى مواجهات وأعمال تخريب، لاسيما بعد مشاهد العنف والنهب التي رافقت احتجاجات الـ 17 أكتوبر. ورغم تسجيل تراجع في عدد الاعتقالات خلال ليلة الهالوين، فإن وزارة الداخلية ما تزال تتعامل بحذر مع التطورات. وصرح وزير الداخلية لوران نونييز أن بعض المجموعات المتطرفة أظهرت مستويات مرتفعة من العنف خلال الاحتجاجات الأخيرة، مشيراً إلى استمرار الاستعدادات الأمنية لتأمين مظاهرات الخميس المقبل.
كما تستعد السلطات لاحتمال انضمام مجموعات من حركة "السترات الصفراء” إلى التحركات النقابية، وسط دعوات لتجديد الإضرابات وعمليا كوب قطع الطرق اعتباراً من اليوم التالي، وتنظيم تحرك احتجاجي جديد السبت المقبل.
معركة الميزانية
وسط ذلك، تواجه الحكومة الفرنسية الثلاثاء 3 نوفمبر، اختباراً سياسياً يبدو صعباً مع التصويت المرتقب على الشق المتعلق بإيرادات ميزانية الدولة للعام 2027؛ وذلك بعد أيام من رفض أغلبية النواب لمشروع ميزانية الضمان الاجتماعي، الأمر الذي يثير مخاوف من تكرار السيناريو نفسه بالنسبة إلى ميزانية الدولة، وسط تحالفات متغيرة بين مختلف الكتل السياسية.
من أبرز نقاط الخلاف إسقاط الزيادة الضريبية التي اقترحتها الحكومة على أرباح الشركات الكبرى، بعد تحالف تصويتي ضم قوى من اليمين المتطرف إلى جانب أطراف من المعسكر الحكومي نفسه.
وكانت هذه الضريبة تستهدف نحو 400 شركة، مع توقعات بتحقيق إيرادات تبلغ 5 مليارات يورو في عام 2027، مقارنة بنحو 7.3 مليارات يورو خلال العام الجاري.
وتستهدف الحكومة خفض عجز الميزانية إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام المقبل، غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب اتخاذ إجراءات مالية إضافية تتجاوز ما تضمنه المشروع الأولي، الذي اشتمل بالفعل على تدابير جديدة بقيمة 43 مليار يورو.
في حال تعثر المسار البرلماني، يظل خيار اللجوء إلى المادة 49.3 من الدستور الفرنسي (تسمح بتمرير مشروع قانون دون الخضوع للتصويت)، أو إصدار الميزانية بموجب أمر حكومي، مطروحاً لتجاوز العقبات التشريعية، رغم تعهد رئيس الوزراء بعدم استخدام هذه المادة في غياب عرقلة برلمانية.