رنا حداد : هل توظف الدراما الأردنية في مواجهة خطاب الكراهية؟
هل تملك الدراما الأردنية قدرة على تجاوز كل محنها واشكالياتها اليوم، لتصبح مساحة مؤثرة في تشكيل الوعي العام، ومناقشة القضايا التي تمس تماسك المجتمع، وفي مقدمتها خطاب الكراهية والتعصب الديني والإقصاء على أساس الاختلاف؟
هذا الطرح نتيجة يقين بأن الفن، بما يمتلكه من قدرة على الوصول إلى الناس والتأثير في مشاعرهم وأفكارهم، يستطيع أن يفتح حواراً حول هذه الظواهر، ويسهم في تعزيز ثقافة الاحترام والتعددية وقبول الآخر.
بالأمس، قبل اليوم، ازدادت أهمية هذا الدور في ظل انتشار خطاب الكراهية عبر منصات التواصل الاجتماعي، البيئة الخصبة حتى تنتقل الأفكار المتطرفة والإساءات والتحريض بسرعة، وقد تتحول أحياناً إلى مواقف عدائية تمس العلاقات بين أبناء المجتمع الواحد. وفي مواجهة ذلك، تبرز الحاجة إلى أعمال درامية أردنية تقترب من هذه القضايا بجرأة ومسؤولية، وتقدم معالجات إنسانية تضع المواطنة المشتركة في مقدمة أولوياتها.
لا يقتصر دور الدراما في مناهضة الكراهية على تقديم رسائل مباشرة تدعو إلى التسامح، بل يمتد إلى تفكيك الأسباب الاجتماعية والثقافية التي تغذي التعصب، وإظهار أثر التنشئة الأسرية والتعليم والخطاب العام في تشكيل مواقف الأفراد تجاه المختلفين عنهم. فالشخصيات والأحداث والحكايات القريبة من حياة الناس يمكن أن تساعد المشاهد على مراجعة أفكاره، وإدراك خطورة الأحكام المسبقة، والتمييز بين الاختلاف الطبيعي والتحريض الذي يستهدف الآخرين.
وفي السياق الأردني، تكتسب هذه المعالجة أهمية خاصة بالنظر إلى التنوع الديني والثقافي الذي يشكل جزءاً من الهوية الوطنية، وإلى العلاقات التي تجمع المسلمين والمسيحيين في مختلف مناطق المملكة. ويمكن للدراما ، التي وظفها الدولة سابقًا لجعل الناس ينتمون للاحزاب ويذهبون لصناديق الاقتراع، أن تسلط الضوء على صور هذا التعايش في الحياة اليومية، بعيداً عن المعالجة الاحتفالية أو الشعارات الجاهزة، من خلال قصص تعكس العلاقات الإنسانية والاجتماعية، وما يجمع الأردنيين من روابط أسرية ووطنية ومواقف مشتركة.
بلا شك تستطيع الأعمال الفنية، بنصوص مكتوبة من واقع حياتنا وذاكرة ناسنا، أن تقدم معالجة عميقة للأحداث التي تشهد توترات أو اعتداءات ذات خلفيات دينية أو اجتماعية، من خلال التركيز على أثر الكراهية في الأفراد والعائلات والمجتمع، وإبراز خطورة تحويل الخلاف إلى خصومة، أو الاختلاف إلى مبرر للإقصاء. وتكمن أهمية هذا الطرح في تقديم الشخصيات ضمن سياقها الإنساني والاجتماعي، من دون تبرير العنف أو اختزال المجتمعات في صور نمطية.
الأهم هو الأخذ بعين الاعتبار أن خطاب الكراهية على وسائل التواصل الاجتماعي هو أحد أهم الملفات التي تستحق حضوراً أكبر في الإنتاج الدرامي الأردني، لا سيما أن بعض أشكال التحريض تبدأ بتعليق مسيء أو منشور مضلل، ثم تتسع بفعل إعادة النشر والتفاعل، بما قد يفاقم الانقسامات ويؤثر في السلم المجتمعي. ومن هنا، يمكن للدراما أن تكشف آليات انتشار هذه الخطابات، وتناقش مسؤولية الأفراد في تداول المحتوى، وأهمية التحقق من المعلومات، وضرورة عدم المشاركة في نشر الإساءة أو التحريض.
هذا بالضرورة يتطلب دعماً أكبر للنصوص التي تتناول قضايا التعايش ونبذ التطرف، وتشجيع الكتّاب والمنتجين على تطوير أعمال تستند إلى البحث وفهم السياق الأردني، وتبتعد عن التعميم والتنميط. كما تبرز أهمية التعاون بين صناع الدراما والباحثين والتربويين والمؤسسات الثقافية والحقوقية، بما يضمن معالجة دقيقة للقضايا الحساسة، من دون الإخلال بالقيمة الفنية للعمل أو تحويله إلى مادة توعوية مباشرة.
ولا تنتهي مسؤولية الدراما عند عرض العمل على الشاشة، إذ يمكن أن تمتد إلى الحوارات والندوات والمبادرات الثقافية التي تتيح للجمهور مناقشة القضايا المطروحة، خصوصاً بين الشباب، الذين يشكلون شريحة واسعة من مستخدمي المنصات الرقمية. ويمكن للمحتوى الدرامي، إذا جرى توظيفه بفاعلية، أن يفتح نقاشاً أوسع حول المواطنة واحترام التنوع والمسؤولية الفردية في حماية السلم الأهلي.
إن مواجهة خطاب الكراهية لا تقع على عاتق الفن وحده، فهي مسؤولية مشتركة تتطلب أدواراً متكاملة من الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسات الثقافية والدينية والمجتمع المدني. غير أن الدراما تظل إحدى الأدوات القادرة على الوصول إلى الجمهور بلغة إنسانية مؤثرة، وتحويل القضايا المجردة إلى حكايات تلامس الحياة اليومية.
ــ الدستور