صالح الراشد : الطوفان غيّر العالم.. والعبيد يتراجعون أمام الدماء
صالح الراشد
ثلاث سنوات مرت على طوفان الأقصى، تبدّل فيها العالم وتغيّر؛ فالعديد من الشعوب ارتضت أن تلعب دور العبد، وأجادت وتنافست في هذا الدور حتى خجل السادة من عبوديتها، وشعوب أخرى استفاقت من غفوتها ونهضت لتشاهد الحقيقة دون كذب إعلامي أو خداع سياسي. وقنوات فضائية تعرّت بالكامل وأظهرت عمالتها، وأخرى خلعت برقع الحياء وكشفت حقيقة مواقفها وكذبها وخداعها للمجتمعات الباحثة عن صوت يرتفع في وجه خانقيها، حتى لو جاء هذا الصوت من جزيرة الشيطان، ليجتاح طوفان الأقصى الكرة الأرضية برمتها، وكأنه طوفان سيدنا نوح، لكن بلا ماء؛ إذ استُبدلت المياه بالمواقف التي ارتفعت في العديد من الدول، فأغرقت أنصار الباطل.
طوفان كان فرقانًا عظيمًا، ففرّق رجال الحق عن أصحاب الباطل، وميّز الخبيث من الطيب، وأظهر الصور الحقيقية للبعض وهم يدخلون الهيكل الصهيوني كالمرأة الحامل سفاحًا، مرتعبين من أن تظهر عليهم أعراض الحمل حتى لا تنفضح دناءة أفعالهم، فيظلون متسمّرين في أماكنهم، وإن تحركوا فبحسابات محسوبة وفي حدود المسموح بها، ليشعر الصهاينة بالطمأنينة بأن أصحاب الرذيلة غير قادرين على فعل شيء، وهناك رجال آخرون اخترقوا الأسوار، وتحدثت أفعالهم عمّا يجول في صدورهم، فصنعوا مستقبلاً ناصعًا من حاضر أثخن فيه الصهاينة القتل، وأُغلقت الأفواه، لمنع المحاصَرين من الطعام، ومنع من هم خارجها من الكلام، لكن الهدف ظهر في السماء، ولن يتم التراجع عنه.
فالهدف، وإن كان بعيدًا، فقد قرّبه السابع من أكتوبر؛ بالخلاص من الاحتلال الخارجي ومن الاستبداد الداخلي الذي عانى منه الفلسطينيون. فالصوت لن يخمد، والفعل لن يموت، والقادم حياة رُويت بدماء الشهداء، وفضحت كل ذليل، وترافق الرجال الرجال على شرف رفقة الحياة وصحبة الموت، موجهين رسالة للعالم بأن سبب موت الشعب الفلسطيني ورغبته في التغيير هو البحث عن حياة أفضل، لا يستعبده فيها محتل خارجي ولا يحكمه ديكتاتور محلي.
لتصرخ دماء الشهداء نهارًا وتهمس ليلًا: «تذكرونا». قالها الكثيرون قبل أن تفارق أرواحهم أجسادهم: تذكّروا أننا سنكون نبراسًا لجميع الشعوب المقهورة في زمن الانحدار الحالي والعصور الآتية، ولتكن حجارة القدس والخليل وغزة شهود عيان على كل ما جرى، ولتشهد بأن الشعب الفلسطيني يموت واقفًا، وأن دماء شعبه ستشعل نار الحصار على الصهاينة وجميع أعوانهم الذين تعرّوا تمامًا، ولم يجدوا حتى ورقة التوت لتواري سوآتهم.
لقد سقط نتنياهو وفشل في تطوير نفسه من عطاء الرب إلى رب الصهيونية في عصرها الذهبي، وظن أنه سيلغي من الحاضر شعب فلسطين، ويمحو من كتب التاريخ وقادم الأيام كل ما هو فلسطيني. فأطلق الصواريخ على غزة وقطعان المستوطنين في الضفة، على أمل قتل الأمل، مستفيدًا من سلطة مقيّدة بقرار المحتل، تجيد صناعة الموت لشعبها بسبب جبنها وحصولها على مال الأعداء، لتظل سيوفًا مسلطة على الشعب، وعبيدًا للمحتل، ولم يدر في خلد نتنياهو، ولا في أحلامه وكوابيسه، أن النصر الذي ادّعاه سيكون لعنة تطارده حيثما حل، وأنه هزيمة عالمية كُتبت بالدم الفلسطيني وبمواقف شرفاء العالم.
وفي غزة العزة، استُشهد من استُشهد، وتشرّد في الوطن من تشرد، وسكن الأطلال كثيرون، جاعلين منها وطنًا وليس سكنًا للغربان والبوم. وبكرامتهم وعزتهم المشهودة، أكلوا القليل وسط عالم ذليل خانع خاضع لكل صهيوني، وهنا تحرك الشرفاء كما لم يفعلوا من قبل، فانتفض العديد من السياسيين واللاعبين والمطربين وطلبة الجامعات لفرض العزلة على الكيان، وإشعار حكومته بصِغرها أمام العالم، ولتذكير العرب بأن من ينحني كثيرًا لن يأكل من شجرة العز التي تحتاج إلى الرؤوس المرفوعة والأعناق المشرئبة.
آخر الكلام:
منذ ثلاث سنوات، شكّك الكثيرون في حتمية انتصار الكف الفلسطينية على المخرز الصهيوني، واليوم يتألم المخرز بفضل المواقف العالمية، لتثبت حكمة من خطط ونفّذ بنقل الحصار تدريجيًا عن غزة إلى الكيان، بدماء سبعين ألف فلسطيني استُشهدوا لتظل تلك القطعة من الأرض اسمها غزة، وثغر فلسطين الباسم على موج البحر، وطريق العالم للخلاص من الصهيونية وأتباعها، مطلقةً شعلة لمستقبل أكثر إشراقًا.
فكل ما يحتاجه الصامد على أرضه هو الوقت، وما أكثر الوقت حين يتمسك الإنسان بتراب وطنه.