د. حمد الكساسبة : من قياس الإنجاز إلى قياس الأثر: كيف نعرف أن التحديث وصل إلى حياة الناس؟
مع إطلاق الحكومة حملة «عامان من العمل.. من الرؤية إلى الواقع»، التي ستعرض خلال الأسابيع المقبلة نتائج العمل الحكومي وانعكاساته على حياة المواطنين عبر ثمانية محاور رئيسية، يبرز سؤال يتجاوز عرض الإنجاز نفسه: كيف نعرف، بصورة منتظمة ودقيقة، أن أثر التحديث وصل فعلاً إلى الأسرة الأردنية؟ وإذا كان الأثر قد أصبح محوراً في عرض الأداء، فإن تطوير أدوات قياسه يصبح امتداداً طبيعياً للمرحلة المقبلة.
وهنا لا يصبح السؤال كم مشروعاً أُنجز فحسب، بل ماذا تحرك داخل الأسرة والمحافظة نتيجة هذا الإنجاز، فالرؤية لم تُبنَ لتراكم المشاريع والمؤشرات فقط، بل لتحسين جودة الحياة وتوسيع الفرص ورفع القدرة الاقتصادية للأفراد والمناطق.
ويملك الأردن اليوم منظومة متقدمة نسبياً لمتابعة حركة الاقتصاد، فالنمو والتضخم والصادرات والاستثمار والبطالة والاحتياطيات تُقاس وتُحدَّث بوتيرة منتظمة، ويتضمن البرنامج التنفيذي الثاني لرؤية التحديث الاقتصادي مئات المشاريع و126 مؤشراً رئيسياً لقياس النتائج والأثر.
ومع ذلك، فإن بعض المؤشرات الأكثر التصاقاً بحياة الأسرة لا تتحرك بالسرعة نفسها، ويُعد الفقر أوضح مثال على ذلك؛ فالمعدل الوطني الرسمي المتداول، البالغ 15.7% بين الأردنيين، ما يزال يستند إلى مسح نفقات ودخل الأسرة 2017–2018، فيما لم تُنشر بعد نتائج مسح 2021–2022 بصورة تحدّث هذا المؤشر على المستوى الوطني.
وهنا لا تكمن المسألة في قدم رقم واحد، بل في تغير الواقع الذي نحاول قياسه، فمنذ المسح الأخير مرت جائحة عالمية، وموجات تضخم، وتحولات في أسعار الغذاء والطاقة، واضطرابات إقليمية متلاحقة، ودخلت رؤية التحديث نفسها مرحلة تنفيذ واسعة.
وخلال هذه السنوات تغيرت أنماط العمل والاستهلاك والديون والسكن والنقل والتحويلات، وتحركت المحافظات والقطاعات بسرعات مختلفة، ولذلك فإن المتوسط الوطني، مهما كان مهماً، لا يكفي وحده لمعرفة من استفاد من التحسن ومن بقي بعيداً عنه.
وتحتاج المرحلة المقبلة، في تقديري، إلى ما يمكن تسميته «لوحة الأثر الاقتصادي والاجتماعي»؛ وهي أداة موازية للوحة متابعة تنفيذ الرؤية، لا مؤسسة جديدة ولا جهازاً بيروقراطياً إضافياً.
وتجمع هذه اللوحة بصورة دورية عدداً محدوداً من المؤشرات القريبة من حياة الناس: الدخل الحقيقي المتاح للأسرة، وعبء السكن والنقل والغذاء، والهشاشة القريبة من خط الفقر، ونوعية الوظائف والأجور، والمديونية، والفجوات بين المحافظات.
والأهم أن تتابع حركة الأسر نفسها: كم أسرة انتقلت إلى وضع اقتصادي أفضل، وكم أسرة أصبحت أكثر عرضة للصدمات؟
وتكمن قيمة هذه اللوحة لا في الوصف، بل في تحسين نوعية القرار، فإذا استقطبت محافظة استثمارات جديدة وبقيت البطالة فيها مرتفعة، يصبح السؤال عن طبيعة الاستثمار والمهارات والنقل، لا عن حجم الاستثمار وحده.
وإذا ارتفع دخل الأسرة الاسمي بينما استحوذ السكن والنقل والغذاء على حصة أكبر منه، فقد يكون التحسن المالي أقل مما توحي به الأرقام، وإذا توسعت الصادرات دون أن يمتد أثرها إلى الموردين المحليين والوظائف خارج المراكز الرئيسية، يصبح من الضروري النظر إلى سلاسل التوريد والتوزيع المكاني للعائد.
ويقود ذلك إلى مفهوم أوسع من الفقر هو «الهشاشة الاقتصادية»، فهناك أسر تقع فوق خط الفقر لكنها قد تنزلق تحته مع فقدان وظيفة أو ارتفاع مفاجئ في كلفة السكن أو الغذاء أو العلاج، وهناك أسر تتحسن دخولها لكنها تبقى بلا مدخرات أو أصول كافية لامتصاص الصدمات.
ومعرفة حجم هذه المنطقة الوسطى وحركتها قد تكون أكثر فائدة للسياسة الاقتصادية من الاكتفاء بعدد الفقراء؛ لأنها تسمح بالتدخل قبل أن تتحول الهشاشة إلى فقر دائم، وتساعد على تصميم حماية اجتماعية أكثر دقة ومرونة.
وتمنح هذه المقاربة أيضاً ملف تنمية المحافظات معنى أكثر عمقاً، فالعدالة التنموية لا تعني توزيع عدد متساوٍ من المشاريع، بل تقليص الفجوة في النتائج: فرصة العمل، والدخل، وجودة التعليم والصحة، والوصول إلى الخدمات، والقدرة على جذب استثمار منتج. وتوفر الجولات الميدانية الحكومية في المحافظات مصدراً مهماً لفهم الاحتياجات المحلية، ويمكن تعزيز قيمتها بربط ما تكشفه بصورة منتظمة بمؤشرات الدخل والعمل والخدمات والفجوات التنموية.
ومن ثم يمكن تقييم أداء كل محافظة ليس بعدد المشاريع التي حصلت عليها فقط، بل بمقدار ما اقتربت به من المتوسط الوطني، وبمدى قدرتها على تحويل ميزتها النسبية إلى نشاط اقتصادي وفرص مستدامة.
وتتمثل القيمة الأهم لهذه المنظومة في قدرتها على التحول إلى أداة إنذار مبكر لصانع القرار، فإذا بدأت القدرة الشرائية للأسر بالتراجع في منطقة معينة، أو ارتفعت الهشاشة في شريحة محددة، أو لم يتحول الاستثمار إلى تشغيل محلي، يمكن اكتشاف ذلك قبل أن يظهر في صورة مشكلة اجتماعية أوسع.
وعندها يصبح تعديل السياسة أسرع وأقل كلفة من انتظار نتائج مسح دوري شامل أو معالجة الأثر بعد ترسخه، وينسجم ذلك مع الانتقال الذي تعلنه الحكومة نفسها من قياس التنفيذ إلى قياس النتائج والأثر.
ومن هنا، فإن الخطوة التالية ليست إنتاج مزيد من الأرقام بقدر ما هي ربط الأرقام الموجودة بصورة أكثر ذكاءً، وتحديث ما تأخر منها، وتحويلها إلى خريطة حية للدخل والفقر والهشاشة والتفاوت المكاني.
وإذا كانت حملة «من الرؤية إلى الواقع» تضع انعكاس العمل الحكومي على حياة المواطن في الواجهة، فإن بناء قدرة مؤسسية دائمة على قياس هذا الانعكاس سيكون استكمالاً منطقياً لها، فنجاح التحديث لا يظهر فقط عندما يرتفع المتوسط الوطني أو تكتمل المشاريع، بل عندما نعرف أن الأسر والمناطق الأبعد عن الفرصة بدأت تقترب منها، ففي المرحلة المقبلة، لا يكفي أن نعرف أن الاقتصاد تحرك؛ الأهم أن نعرف أين وصل أثر هذه الحركة، ومن استفاد منها، وأين يحتاج القرار إلى أن يتدخل بصورة أسرع.
وعندها يصبح القياس جزءاً من السياسة الاقتصادية نفسها، لا مجرد أداة لتوثيق نتائجها.