د.خالد عبد الرؤوف الجبر : النسيان .. بين النِّعمة والنِّقمة
نحن لا ننسى موتانا الأحبّة بمعنى أن يُمحَوا تمامًا من الذّاكرة، لكنّنا ننسى شيئًا من حدّة الموت وأحزانه وثقل مشهديّته. لا ننسى الجرح، لكن تخبُو حرارته. والذّاكرة الحكيمة غير معنيّة بإلغاء الوقائع وطمسِها قبل مسحِها، وإنما تنقلها من الحاضر المؤلم إلى الماضي القابل للتّحمّل والمُعايَشة. وهنا يصبح النّسيان ضربًا من إعادة ترتيب العالم الدّاخليّ للذّات.
ولو عاشت في النّفس كلّ لحظة بالقوّة نفسها الّتي وقعت بها، لحالَتِ الذّاكرة سجنًا مكتظًّا يزدحُم بالأحمال. كم حزنًا يستطيع إنسان أن يحمله بكامل حرارته؟ وكم إهانة؟ وكم فشلًا؟ إنّ القدرة على الاستمرار تحتاج إلى قدر من التّخلّي والإزاحة؛ أن تبقى الصُّورة، مع أن تخفت ألوانُها قليلًا. ولولا هذا التّخلّي لما كان في القلب مكان لفرح جديد. كان أبو إسحاق إبراهيم الغزّيّ قال في سياق قريب من هذا:
ما مَضَى فَاتَ، والمُؤَمَّلُ غَيْبٌ ... وَلكَ السّاعَةُ الّتي أنتَ فِيهَا
هل كلّ نسيان سواء؟
هنا أيضًا ينجلي تراث العرب عن دِقّة في التّمييز بين: أن تنسى الشَّيء، وأن تتناساه عن عمدٍ وسابق قصد. في قوله تعالى على لسان مُوسى: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: 73] نُواجِه النّسيان البشريّ الذي يطلُب صاحبه العُذرَ. وفي قوله: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التّوبة: 67] نُواجه نسيانًا أخلاقيًّا هو الإِعراضُ المقصُود.
قد يكون النّسيان بريئًا خارجًا عن قدرة الإنسان ورغبته، وقد يكون ذنبًا متنكّرًا في ثوب نِسيَان. أن تنسى موعدَ صديق شيءٌ، وأن تنسى حقَّه شيءٌ آخر. أن تنسى اسم فقير قابلتَه مرّة شيءٌ، وأن تنسى وجود الفقر والفقراء وحقوقهم من تصوّرك للعالم شيءٌ آخر. ومن هنا كان التَّناسي أشدّ إثارة للرِّيبة؛ لأنّه فعل إراديٌّ يرتدي هيئة العَجز. وقد قيل: "التّناسي شرٌّ من النِّسيان"؛ فالأول يدلٌّ على خلل في الوفاء، والثّاني لا يدلّ بالضّرورة إلّا على خلل في الذّاكرة.
بل إنّ الذّاكرة الأخلاقيّة تقوم على انتقاء معكُوس لانتقاء الرّاحة: ينبغي أن ننسى الإساءة أحيانًا؛ لكي نستطيع العيش مع النّاس، لكن ينبغي ألّا ننسى الجَميل؛ لكي نظل بشرًا. ينبغي أن نتجاوز ألم التّاريخ ومآسيه، ولكن لا يجوز أن نَمْحُوَ درسَه ونُسقِطَ عليه ما في حاضرنا. والحضاراتُ، مثل الأفراد، تمرضُ من نوعين متقابلين: ذاكرةٍ لا تغفِرُ شيئًا من التّفاصيل، ونِسيانٍ يمسحُ كلّ التّفاصيل حتّى لتَبدُو الأحداث باهتةً شاحبةً كلّها صنوٌ واحدٌ كوجوه الموتى.
بين النِّعمة والنِّقمة
هنا يمكن الإجابة عن السّؤال الأخير: متى يكون النّسيان نِعمة، ومتى يصبح نِقمة؟ يكون نعمةً حين يخفِّف من محمولات الوعي دونَ أن يمحو المعنى؛ حين يسمح للحُزن بأن يهدأ، وللجُرح بأن يصير خِبرة، وللإنسان بأن يفتح نافذة جديدةً في غرفة تكدّس فيها الماضي. ويكون نِقمة حين يمحُو الحاجة إلى الدّرس والعِبرة، ويَهدِم العهد والميثاق، ويختزل الامتنان في بسمةٍ أو "شُكرًا"، وحين يجعل الإنسان أو الجماعة يكرّران الخطأ نفسه؛ لأن الذاكرة لم تختزن الأثمان الجسيمةَ الّتي دُفعت سابقًا.
لهذا يبدو الموقف العربيّ الكلاسيكيّ من النِّسيان أكثر توازنًا مما نظنّ، وأكثر اتّزانًا منه في حاضرنا. العلماء قاومُوه بالدّرس والمذاكرة والكتابة؛ لأنّ العلم لا يعيش إن لم يُستدعَ ويُتَداوَل. والأطبّاء رصدوه بوصفه ضعفًا أو عرَضًا. والفقهاء راعَوْه في أحكامِهم؛ لأنه من طبيعة الإنسان. أمّا الحكماء، فنظروا إلى وجهه الآخر: أنّ بعض النّسيان ضرورةٌ لاستمرار الحياة. وهكذا يكون من الخطأ السؤال: كيف نتخلّص من النّسيان؟ وصوابُه: ماذا يحسُن بنا أن ننسى، وماذا ينبغي لنا أن نُقاوم نِسيانه؟
ولربّما كانت الحكمة كلُّها في هذا الاختيار؛ فالإنسان ليس سِجلًّا تبقى صفحاته كلّها مفتوحة في الوقت نفسه. إنّه كائن يعيش بما يحفظ، وبما ينسى أيضًا. يحفظ اسم أمّه، وأوّل أرضٍ مسّ جلدَه تُرابُها، وصوت من أحبّ، وما تعلّمه من خساراته؛ وينسى ما يكفي من الألم؛ كي يتمكّن من النّهوض صباحًا من فِراشِه ويُصدّق، ولو قليلًا، أنّ يومًا جديدًا قد حلّ، وهو يستحقّ أن يُبدَأ.
عندئذ فقط نستطيع أن نُعيد إلى عبارة "نِعمة النّسيان" معناها الإيجابيّ الجميل، بعيدًا قليلًا عن الحبيب الذي هجَّرَتْه الأغنية ولم تَهْجُره الذّاكرة؛ فالنِّعمة ليست أن ننسى مَن رحل حسبُ، إنّما أن تعرف الذّاكرة كيف تستبقي من الماضي معنَاه، وتتركُ له بعض وَجَعِه. أمّا النّقمة، فهي أن ننسى المعنى ونحتفظَ بالوجَع، أو أن نمحوَ الاثنين، فنقع في الخطأ نفسه كما لو أنّنا لم نَعِش من قبل.
ــ الراي