معتز عبد القادر عساف : رؤية تحليلية لتحديث القطاع العام .. من برنامج حكومي إلى مشروع دولة
الجزء الرابع: المؤشر الوطني لتحديث القطاع العام (PSI): هل نرى الصورة كاملة؟
في الأجزاء الثلاثة السابقة من هذه السلسلة، تناولت مسار البرنامج التنفيذي الثاني من زوايا مختلفة، فاستعرضت في الجزء الأول أبرز عناصره الإيجابية، وناقشت في الجزء الثاني أهمية اختيار المؤشرات الدولية الصحيحة والموثوقة، ثم تناولت في الجزء الثالث ضرورة الربط بين الأهداف والمؤشرات والمشاريع والموارد والنتائج.
وفي هذا الجزء أنتقل إلى المؤشر الوطني لتحديث القطاع العام (PSI) باعتباره الأداة التي يفترض أن توفر صورة شاملة عن مستوى التقدم في مسار التحديث.
وجود المؤشر لا يكفي
يمثل تطوير مؤشر وطني موحد خطوة إيجابية، لكن قوة أي مؤشر لا تعتمد على وجوده فقط، وإنما على وضوح ما يقيسه وكيف يقيسه. فإذا كان PSI هو المؤشر الذي يفترض أن يعكس مستوى التقدم في تحديث القطاع العام، فمن المهم أن تكون منهجيته، ومقياسه، وخط أساسه، ومستهدفاته، ومكوناته وأوزانها واضحة ومحددة. والأهم أن تكون العلاقة واضحة بين PSI ومكوناته، والأهداف الاستراتيجية، والمؤشرات، والمشاريع، والنتائج.
فالبرنامج يضع بالفعل هيكلاً يربط مخرجات التحديث بالمكونات والأهداف الاستراتيجية والمشاريع، ويضم 33 هدفاً استراتيجياً و39 مؤشراً و111 مشروعاً. لكن التحدي ليس فقط في وجود هذه العناصر، وإنما في مدى وضوح الروابط بينها وقابليتها للتتبع والقياس.
من المؤشر إلى المشروع والنتيجة
إذا تحسن PSI، فمن المفترض أن نستطيع معرفة أي مكون تحسن، وأي مؤشر ساهم في ذلك، وما الأهداف والمشاريع التي أسهمت في تحقيقه. وإذا لم يتحسن، ينبغي أن نستطيع تحديد موطن الخلل: هل هو في التصميم، أم التنفيذ، أم الموارد، أم أن التدخل لم يكن كافياً لتحقيق النتيجة؟
وهنا تبرز أهمية ما تناولته في الجزء الثالث حول مؤشرات النتائج والمؤشرات القائدة بحيث لا نكتفي بقياس النتيجة بعد حدوثها، وإنما نتابع أيضاً المؤشرات التي تنبهنا مبكراً إلى ما إذا كان التنفيذ يسير في الاتجاه الصحيح.
من المستوى الوطني إلى مستوى المؤسسات
إذا كان PSI يقيس مستوى التحديث على المستوى الوطني، فإن اكتمال منظومة القياس يتطلب أن يكون بالإمكان الانتقال من هذا المستوى العام إلى المستوى المؤسسي (Micro Level)، بحيث يمكن معرفة أداء كل مؤسسة أو جهة تنفيذية ومساهمتها في النتائج الوطنية. ويتطلب ذلك وجود تدرج واضح للمؤشرات (Cascading) من المستوى الوطني إلى المؤسسات والدوائر والوحدات التنفيذية، بحيث تكون لكل جهة مؤشرات ونتائج واضحة تسهم في تحقيق الأهداف الوطنية.
وهنا تبرز مجموعة من الأسئلة المهمة: هل توجد مؤشرات واضحة لكل مؤسسة؟ وهل ترتبط هذه المؤشرات بالأهداف الوطنية ومكونات PSI؟ وهل توجد جهة مسؤولة عن جمع البيانات والتحقق من جودتها ومتابعة الانحرافات واتخاذ الإجراءات التصحيحية؟
فقياس الأداء على المستوى الوطني (Macro Level) يصبح أكثر فاعلية عندما يمكن تفكيك النتائج والوصول إلى المستوى المؤسسي، ثم إلى البرامج والمشاريع، لمعرفة أين تحقق التحسن، وأين توجد الفجوة، وما الأسباب وراء ذلك.
نحو لوحة متابعة أداء متكاملة (Integrated Performance Dashboard)
ومن المفيد أن تُترجم هذه المنظومة إلى لوحة متابعة متكاملة (Integrated Performance Dashboard) تتيح لصانع القرار تتبع مسار التحديث من PSI ومكوناته، إلى الأهداف الاستراتيجية ومؤشرات النتائج، ثم إلى المؤشرات القائدة والمشاريع والموارد والنتائج المتحققة، مع إمكانية الانتقال من المستوى الوطني إلى مستوى المؤسسات والمشاريع.
ولا ينبغي أن تكون اللوحة مجرد عرض للأرقام، بل أداة تساعد على فهم أسباب التغير، واكتشاف الفجوات، ومتابعة المسؤوليات، وربط الموارد بالنتائج، ودعم اتخاذ القرار وتصحيح المسار.
كما يمكن تعزيز موثوقية ومصداقية PSI من خلال مقارنته، حيثما كان ذلك منهجياً مناسباً، بمؤشرات دولية مستقلة وموثوقة تقيس جوانب ذات صلة، مثل كفاءة الحكومة وجودة المؤسسات والحكومة الرقمية. فالهدف ليس استبدال المؤشرات الدولية، وإنما الاستفادة منها كـمرجع خارجي للتحقق من معقولية النتائج وتعزيز قابلية المقارنة والمصداقية.
من قياس الأداء إلى إدارة الأداء
في النهاية، لا تكمن قوة PSI في كونه رقماً وطنياً جديداً، وإنما في قدرته على أن يخبرنا بوضوح: أين كنا؟ وأين أصبحنا؟ ولماذا تغير الأداء؟ وما الذي يجب أن نفعله بعد ذلك؟
ومن هنا، فإن نجاح منظومة القياس يتطلب أن تكون العلاقة بين المؤشر الوطني والأهداف والمؤشرات والمشاريع والموارد والنتائج واضحة وقابلة للتتبع، وأن تتحول البيانات من مجرد تقارير إلى أداة فعلية لإدارة الإصلاح.
وهذا يقودنا في الجزء الخامس إلى سؤال مختلف ولكنه مكمل: بعد أن نحدد ما نقيسه وكيف نقيسه، هل توجد منظومة حوكمة ومساءلة تضمن استخدام نتائج القياس في اتخاذ القرار وتصحيح مسار التحديث؟
فـقياس النتائج شيء، واستخدام نتائج القياس لإدارة الإصلاح شيء آخر.