اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. عدلي قندح " من قراءة الزيارة إلى صناعة نتائجها: تعليق على مقال الدكتور جواد العناني

د. عدلي قندح  من قراءة الزيارة إلى صناعة نتائجها: تعليق على مقال الدكتور جواد العناني
أخبارنا :  

قرأت بتمعن مقال الدكتور جواد العناني المعنون "الزيارة الملكية التاسعة إلى الصين"، المنشور في وكالة عمون الإخبارية، فوجدته مقالا يتجاوز الاحتفاء البروتوكولي بالزيارة إلى طرح مجموعة من الأسئلة الصعبة حول معناها الاقتصادي والسياسي، وقدرة الأردن على تحويل نتائجها إلى مصالح وطنية قابلة للقياس. كما لفتني حرص الكاتب على الإشارة إلى عدد من الندوات والمقالات والمداخلات التي تناولت الزيارة، ومن بينها حوار الدكتور خير أبو صعيليك والدكتور بدر الماضي في برنامج «صوت المملكة»، ومقالات الدكتور رعد التل، وما قدمه الدكتور عدلي قندح والسيد زيان زوانة.


ولأن هذه المواد لم تنطلق من زاوية واحدة، فإن تقييمها لا ينبغي أن يقوم على المفاضلة بين أسماء أصحابها، بل على مقارنة موضوعية بين وظائفها التحليلية: ماذا فسرت؟ ما البيانات التي استخدمتها؟ ما المخاطر التي كشفتها؟ وما الحلول التنفيذية التي اقترحتها؟


أولا: ما الذي أضافه مقال الدكتور جواد العناني؟


أهم ما يميز المقال أنه طرح الزيارة ضمن إطار الاقتصاد السياسي وإدارة التوازنات الدولية، وليس باعتبارها حدثا تجاريا أو استثماريا فقط. ويمكن تلخيص إضافاته في خمسة محاور:


1. اختلال العلاقة التجارية مع الصين: أبرز المقال اتساع الفجوة بين الصادرات الصينية إلى الأردن والصادرات الأردنية إلى الصين، محذرا ضمنيا من اختزال الشراكة في زيادة الاستيراد.

2. الانتقال من التجارة إلى الاستثمار المنتج: دعا إلى توجيه العلاقة نحو استثمارات تخلق فرص العمل وتستفيد من الموقع الجغرافي ورأس المال البشري الأردني.

3. فجوة القدرة التنفيذية: أكد أن الاتفاقيات ومذكرات التفاهم لا تكفي، وأن المطلوب برنامج يحدد الإجراءات والمواعيد والمسؤوليات والمواقع والتشريعات.

4. مشروع العطارات وأمن الطاقة: انفرد المقال تقريبا بإدخال هذا الملف الحساس في تحليل الزيارة، وربطه بأمن الكهرباء والمياه والإنتاج الوطني والاستقلال الاستراتيجي.

5. التوازن بين الصين والولايات المتحدة: تناول احتمال تعرض الأردن لضغوط بسبب علاقاته مع الصين، وربط ذلك بالعقوبات الأمريكية والتنافس الدولي ومشروعات الربط الإقليمي مثل الحزام والطريق وممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا.


هذه المقاربة منحت المقال عمقا سياسيا واستراتيجيا واضحا؛ فهو لم يسأل فقط: ماذا سيكسب الأردن من الصين؟ بل سأل أيضا: ما المخاطر التي قد تنتج عن تعميق هذه العلاقة، وكيف يدير الأردن موقعه بين القوى الكبرى؟


ثانيا: مصفوفة مقارنة المواد التي أشار إليها الكاتب


التقييم الآتي مبني على المواد المكتوبة والمتاحة، وعلى المحاور المنشورة عن الندوات والمداخلات. والدرجات تقديرية، هدفها بيان الوزن النسبي لكل مادة، وليست حكما مطلقا على أصحابها.



ثالثا: أي المواد كان أكثر شمولية؟

لا توجد مادة واحدة تفوقت في جميع الأبعاد، بل ظهر نوع من التكامل الوظيفي بينها:


• مقال الدكتور جواد العناني هو الأوسع في قراءة المخاطر الجيوسياسية والاستراتيجية، ولا سيما العلاقة مع الولايات المتحدة، والعقوبات، والعطارات، وأمن الطاقة، وتعدد الممرات الدولية.


• تحليلات الدكتور رعد التل هي الأقوى في التشخيص الكمي والهيكلي للعلاقة الاقتصادية. فقد أظهرت أن المشكلة ليست في حجم التجارة وحده، بل في محدودية تنوع الاستثمار الصيني وتركزه الكبير في الطاقة، والحاجة إلى توجيهه نحو الصناعة والتكنولوجيا والخدمات اللوجستية والتصدير. وتشير البيانات التي عرضها إلى بلوغ التجارة الثنائية نحو 6.7 مليارات دولار عام 2025، منها 6.29 مليارات دولار صادرات صينية إلى الأردن، مقابل نحو 430 مليون دولار صادرات أردنية إلى الصين، بعجز يقارب 5.86 مليارات دولار. كما أشار إلى بلوغ الاستثمارات الصينية المتراكمة نحو 3.56 مليارات دولار، تركز نحو 89% منها في الطاقة.


• مقال "من الزيارة إلى الإنجاز" للدكتور عدلي قندح، هو الأكثر شمولا من ناحية هندسة التنفيذ والمتابعة؛ لأنه لم يكتف بالدعوة العامة إلى المتابعة، بل اقترح ملفا وطنيا موحدا، ومصفوفة رقمية لكل فرصة، وتصنيفا للمشروعات من الاهتمام الأولي إلى التشغيل، ونظام إشارات للتعثر، وفريقا وطنيا صغيرا، وتقارير دورية، ومؤشرات تقيس رأس المال المنفذ والوظائف والصادرات والمكون المحلي ونقل التكنولوجيا.


وعليه، إذا كان معيار الشمول هو الجمع بين السياسة والاقتصاد والأمن، فإن مقال الدكتور جواد العناني هو الأوسع استراتيجيا. أما إذا كان المعيار هو تقديم تصور متكامل لما يجب فعله بعد الزيارة، فإن مقال "من الزيارة إلى الإنجاز" للدكتور عدلي قندح هو الأكثر تفصيلا وقابلية للتحويل إلى سياسة عامة. وإذا كان المعيار هو قوة البيانات والتحليل الهيكلي، فتتقدم مساهمات الدكتور رعد التل.


رابعا: ملاحظات موضوعية على مقال الدكتور العناني


مع قوة المقال، توجد نقاط تستحق المراجعة:


1. ضرورة ضبط أرقام التجارة

أورد المقال أن صادرات الأردن إلى الصين تبلغ 410 ملايين دولار، وأن العجز يناهز 6.3 مليارات دولار. لكن البيانات المنشورة لعام 2025 تشير إلى صادرات أردنية تقارب 430 مليون دولار، وصادرات صينية بنحو 6.29 مليارات دولار، أي عجز يقارب 5.86 مليارات دولار. وهذا لا يغير جوهر الاستنتاج، لكنه مهم للدقة التحليلية.


كذلك، فإن وصف الرقم كله بأنه «عجز ضار» يحتاج إلى قدر من التفصيل؛ فجزء من الواردات الصينية يتكون من آلات ومعدات ومدخلات إنتاج وسلع رأسمالية. لذلك يجب تحليل تركيب العجز، وليس حجمه فقط: كم منه استهلاكي؟ وكم منه يدعم الطاقة الإنتاجية الأردنية؟


2. ملف العطارات يحتاج إلى تدقيق قانوني ومالي


أشار المقال إلى خسارة الأردن قضية التحكيم وإلى مبلغ قد لا يقل عن ملياري دولار يضاف إلى الدين. هذه صياغة تحتاج إلى توثيق دقيق؛ لأن رفض تعديل الاتفاقية أو عدم قبول دعوى أحد الأطراف لا يعني تلقائيا صدور حكم يلزم الخزينة بدفع ملياري دولار أو تسجيل المبلغ مباشرة ضمن الدين العام.


الأهم هو تقييم المشروع من خلال ثلاثة عناصر منفصلة:


• الكلفة التعاقدية للكهرباء.

• الالتزامات المحتملة على شركة الكهرباء الوطنية والخزينة.

• القيمة الاستراتيجية للمشروع في تنويع مصادر الطاقة.


قوة طرح الدكتور العناني تكمن في رفض النظر إلى المشروع من زاوية السعر وحدها، لكن البعد الأمني لا ينبغي أن يلغي ضرورة إعادة هيكلة الكلفة والعقود بقدر الإمكان.


3. احتمال الضغط الأمريكي مهم، لكنه يحتاج إلى سيناريوهات


طرح المقال سؤالا مشروعا حول أثر التنافس الأمريكي–الصيني. غير أن الخطر لا يتعلق غالبا بمجرد تعامل الأردن مع الصين، وإنما بطبيعة القطاعات والشركات والتكنولوجيات المستخدمة، ولا سيما الاتصالات والبيانات والبنية التحتية الحساسة والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج.


لذلك يمكن تطوير الطرح إلى ثلاثة سيناريوهات:


• تعاون منخفض الحساسية في السياحة والزراعة والصناعات التقليدية.

• تعاون متوسط الحساسية في الموانئ والطاقة والخدمات اللوجستية.

• تعاون مرتفع الحساسية في الاتصالات والبيانات والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الاستراتيجية.


وهنا تحتاج الحكومة إلى آلية مبكرة لفحص المشروعات من منظور اقتصادي وأمني ودبلوماسي، بدلا من معالجة الاعتراضات بعد توقيع الاتفاقيات.


خامسا: الإطار الأكثر تكاملا لقراءة الزيارة


القراءة الوطنية الأكثر اكتمالا لا تتحقق باختيار مقال وإقصاء بقية المقالات، بل بدمج أفضل ما قدمته:


1. من الدكتور جواد العناني: تحليل التوازنات الدولية والمخاطر وأمن الطاقة.

2. من الدكتور رعد التل: قاعدة البيانات وتشخيص التجارة والاستثمار والقيمة المضافة.

3. من حوار صوت المملكة: الربط بين القرار السياسي والمصلحة الاقتصادية وشرح الزيارة للرأي العام.

4. من السيد زيان زوانة: قراءة موقع الأردن واتفاقياته وخياراته ضمن الاقتصاد السياسي الإقليمي.

5. من مقالي الدكتور عدلي قندح: تحديد النموذج الإنتاجي المطلوب، وبناء ملف وطني ومصفوفة متابعة وفريق تنفيذي ومؤشرات أداء.


والخلاصة التي أضعها أمام الدكتور جواد العناني هي أن مقاله من أقوى المواد في كشف ما وراء الزيارة، لكنه يصبح أكثر اكتمالا إذا استكمل قراءته الاستراتيجية بتفاصيل التنفيذ التي قدمتها المقالات الأخرى. فالزيارة الملكية فتحت نافذة سياسية واقتصادية استثنائية، لكن نجاحها لن يقاس بعدد الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، ولا بحجم التغطية الإعلامية، بل بمقدار ما يتحول منها خلال السنوات الثلاث المقبلة إلى مصانع وصادرات ووظائف ونقل للتكنولوجيا وربط جوي وسياحة واستثمارات موزعة على المحافظات.


التحدي الحقيقي لم يعد إثبات أهمية الصين للأردن؛ فهذا أمر محسوم. التحدي هو بناء قدرة أردنية تفاوضية وتنفيذية تجعل العلاقة أكثر توازنا، وتحول الأردن من مستورد كبير للسلع الصينية إلى شريك إنتاجي وتكنولوجي ولوجستي، من دون الإضرار بشراكاته التقليدية أو تعريض مصالحه الاستراتيجية لمخاطر غير محسوبة. وهذه، في تقديري، هي الرسالة المشتركة الأعمق التي يمكن استخلاصها من جميع المقالات والندوات التي أحسن الدكتور العناني الإشارة إليها.





مواضيع قد تهمك