اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

البروفيسور يوسف العساف : من اقتصاد المعرفة إلى إقتصاديات البحث والابتكار

البروفيسور يوسف العساف : من اقتصاد المعرفة إلى إقتصاديات البحث والابتكار
أخبارنا :  

تخيل أن مدير مشروع قال لفريقه: «إذا كانت امرأة واحدة تحتاج إلى تسعة أشهر لإنجاب طفل، فلماذا لا نضع تسع نساء في المشروع وننجز المهمة في شهر واحد؟». قد تبدو الفكرة منطقية إذا تعاملنا مع الإنجاب باعتباره مجرد مشروع يمكن اختصار مدته بزيادة الموارد، لكنها تكشف خطأً جوهريًا في فهم طبيعة بعض العمليات؛ فهناك مراحل لا يمكن اختصارها بمجرد مضاعفة عدد المشاركين او الانفاق عليها . وهذه المفارقة تنطبق إلى حد كبير على البحث العلمي؛ فليس كل مشروع بحثي يمكن إنجازه بمجرد مضاعفة التمويل أو عدد الباحثين.


البحث العلمي يحتاج إلى وقت وتراكم وتجربة وفشل وتعلم، ولذلك فإن الوصول إلى المراتب الأولى عالميًا في الابتكار ليس مسألة إنفاق أكبر فحسب، بل بناء منظومة قادرة على تحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية واجتماعية. ونفخر بأن عددًا من الدول العربية تميزت وحققت تقدمًا ملحوظًا في مؤشرات الابتكار، وتمتلك إمكانات مالية وبنية تحتية وقدرة متزايدة على استقطاب المواهب، لكن القفز إلى المراتب الأولى ليس بالسهولة التي قد توحي بها بعض التصورات. فالدول الأكثر ابتكارًا بنت تفوقها عبر عقود من التراكم العلمي والصناعي والمؤسسي.


المشكلة الأساسية ليست غياب الطموح، وإنما ضعف الحلقة التي تربط البحث بالاقتصاد. ولذلك ينبغي الانتقال من مفهوم «اقتصاد المعرفة» إلى «اقتصاديات البحث والابتكار»؛ حيث يصبح إنتاج المعرفة وتحويلها إلى تطبيقات وشركات وصناعات جزءًا من النشاط الاقتصادي نفسه. فلا يكفي أن نسأل: كم بحثًا نشرنا؟ بل يجب أن نسأل: كم بحثًا تحول إلى براءة اختراع؟ وكم براءة أصبحت منتجًا؟ وكم شركة خرجت من الجامعة؟ وكم وظيفة وصادرات وقيمة اقتصادية نتجت عن الاستثمار في البحث؟


وهنا تستطيع الحكومات أن تلعب دورًا حاسمًا بأن تصبح أول عميل للابتكار، لا مجرد ممول له. فالمشتريات الحكومية يمكن أن تخلق أسواقًا أولية للتقنيات الجديدة في الذكاء الاصطناعي والصحة والطاقة والمياه والأمن الغذائي، والنقل، والمدن الذكية، وغيرها. وعندما تستخدم الحكومة تقنية محلية مبتكرة وتمنحها فرصة الاختبار والتوسع، فإنها تساعد على تحويل الفكرة من نموذج أولي إلى منتج، ومن منتج محلي إلى شركة قادرة على المنافسة عالميًا.


أما الجامعات، فعليها أن تعيد تعريف نجاحها. فالجامعة المستقبلية لن تقاس فقط بعدد طلابها أو ترتيبها الأكاديمي أو عدد أبحاثها المنشورة، وإنما بقدرتها على إنتاج المعرفة وتحويلها إلى قيمة: براءات ذات قيمة تجارية، شركات ناشئة، عقود بحثية مع الصناعة، تقنيات مرخصة، وحلول قابلة للتطبيق. فالجامعة يجب ألا تكون نهاية رحلة البحث عند نشر الورقة العلمية، وإنما نقطة الانطلاق نحو السوق والمجتمع.


وفي هذا السياق يمكن للدول العربية أن تتبنى مفهوم Research and Innovation Valleys – وديان البحث والابتكار؛ وهي ليست مجرد مجمعات جامعية أو مناطق تكنولوجية، بل منظومات تجمع الجامعات ومراكز الأبحاث والشركات والمستثمرين والمختبرات والمواهب، وتربط البحث بالتجربة والتصنيع والسوق. ويمكن أن تتخصص كل واحة في مجال تمتلك فيه الدولة ميزة تنافسية، مثل الذكاء الاصطناعي، أو الفضاء، أو الطاقة المتقدمة، أو المياه، أو التكنولوجيا الصحية، أو الأمن الغذائي.


وهنا يأتي دور التكامل الإقليمي كرافعة إضافية، وليس بديلًا عن بناء القدرات الوطنية. يمكن أن تكون بعض الدول أقوى في التمويل، وأخرى في المواهب والجامعات، وثالثة في البنية الصناعية أو الأسواق أو البيئة التجريبية. ويذكرنا النمل، رغم صغر حجمه، بأن الكائن الصغير يستطيع أحيانًا حمل أشياء تفوق قدرته الفردية، وأن اجتماع مجموعة منه حول هدف واحد يجعل الحمل الأكبر ممكنًا. وبالمثل، لا تحتاج كل دولة إلى امتلاك جميع عناصر منظومة البحث والابتكار؛ بل يمكنها أن تتكامل مع غيرها لتعظيم الأثر.


ومن هنا يمكن أن تتحول وديان البحث والابتكار إلى شبكة مترابطة تشكل محيطًا عربيًا وإقليميًا للبحث والابتكار، تتشارك فيه الدول المختبرات والبيانات والمواهب، ورؤوس الأموال، والمشاريع، والأسواق. وكما نجحت الاستثمارات المشتركة في المنطقة في مشاريع كبرى في الطاقة والإنشاءات والاتصالات والخدمات، يمكن التعامل مع البحث والابتكار بالمنطق البراغماتي نفسه، باعتباره استثمارًا اقتصاديًا طويل الأجل تنطبق عليه شروط التكامل الاقتصادي وليس نشاطًا أكاديميًا منفصلًا.


ولا تحتاج الدول العربية إلى أن تكون الأولى في كل المجالات، بل إلى اختيار عدد محدود من التحديات الكبرى وبناء منظومات عالمية حولها. فالنجاح الحقيقي يبدأ عندما تصبح سلسلة : البحث - النموذج الأولي - الشركة - رأس المال - التوسع - السوق العالمي منظومة مستمرة.


المنافسة القادمة لن تكون بين الدول التي تنفق أكثر على البحث، وإنما بين الدول التي تحقق أعلى عائد من البحث والابتكار. والاختصار الحقيقي للزمن لا يأتي من محاولة جعل تسعة أشهر تساوي شهرًا، وإنما من بناء منظومة تجعل كل عام من البحث أكثر إنتاجية من العام الذي سبقه، وكل درهم مستثمر فيه يولد معرفة وقيمة اقتصادية أكبر. وهذه هي المعادلة الحقيقية لبناء اقتصاد البحث والابتكار في العالم العربي.





مواضيع قد تهمك