طارق ابو سليم : قانون الملكية العقارية .. رسالتي إلى الحكومة ومجلس الأمة
مرة أخرى، لست هنا في معرض الاستعراض التشريعي، ولا سعياً إلى تسجيل موقف أو مجاراة النقاش الدائر حول مشروع القانون المعدل لقانون الملكية العقارية، فالتشريع بالنسبة لي ليس مساحة للمزايدة أو (ركوب الموجة) كما يقال، وإنما مسؤولية تقتضي أن نقول ما نراه قانوناً في الوقت المناسب، وبالقدر الذي قد يسهم في تجويد النص قبل أن يصبح حكماً ملزماً وآثاره واقعاً يصعب تداركه؛
إن التسليم بحق الدولة في الاستملاك للمنفعة العامة لا ينفصل عن الضمانات الدستورية التي تحكم ممارسة هذا الحق؛ فالاستملاك، وإن كان أداة مشروعة لتحقيق المصلحة العامة، يظل استثناءً من الأصل المتمثل في حماية الملكية الخاصة، ومن ثم يجب أن يمارس في الحدود وبالضمانات التي رسمها الدستور، فالمادة (11) من الدستور الأردني أرست قاعدة واضحة (لا يستملك ملك أحد إلا للمنفعة العامة وفي مقابل تعويض عادل حسبما يعين في القانون).
وقد سبق للمحكمة الدستورية، في حكمها رقم (1) لسنة 2019، أن تناولت دستورية التنظيم التشريعي المتعلق باقتطاع الربع دون تعويض في سياق استملاك الأراضي للطرق، وتبرز هنا خصوصية الطريق؛ إذ قد يترتب على إنشائه منفعة مباشرة للجزء المتبقي من العقار، من حيث تحسين الوصول إليه والانتفاع به، وما قد يترتب على ذلك من زيادة في قيمته.
وهنا تكمن الإشكالية، فإدخال السكك الحديدية ضمن مفهوم (الطريق) لا يقف أثره عند حدود التعريف، وإنما قد يمتد إلى الأحكام القانونية المترتبة عليه، وفي مقدمتها الأحكام المتعلقة باستملاك جزء من العقار دون تعويض، فالطريق الذي يقتطع جزءاً من الأرض قد يمنح الجزء المتبقي منها منفعة مباشرة، أما السكة الحديدية التي تمر عبر عقار، فقد يختلف أثرها بصورة جوهرية؛ إذ قد تؤدي إلى تجزئة العقار، وتقييد الوصول بين أجزائه، وفرض قيود على استعماله، بل وقد يترتب عليها انخفاض في قيمة الجزء المتبقي منه، لا شك أن للمشرّع سلطة وضع التعريفات اللازمة لتطبيق القانون، لكن التعريف التشريعي لا يغيّر الطبيعة الواقعية للأشياء، ولا ينبغي أن يكون وسيلة لمد حكم استثنائي إلى حالة تختلف في طبيعتها وآثارها.
فالقاعدة القانونية لا ينبغي أن تنتقل بمجرد انتقال الاسم، متى اختلفت العلة والآثار، واحترام أحكام المحكمة الدستورية يقتضي قراءتها في حدود المسألة التي فصلت فيها، وعدم تحميلها أكثر مما قضت به، فإقرار المحكمة دستورية تنظيم تشريعي يتعلق باقتطاع الربع في سياق استملاك الطرق لا يعني تقرير قاعدة دستورية عامة تجيز اقتطاع ربع أي عقار دون تعويض متى كان المشروع يحقق منفعة عامة، كما أن الحكم الدستوري الصادر بشأن تنظيم معين لا يمنح حصانة دستورية مسبقة لكل توسع تشريعي لاحق في نطاقه، فإذا اختلف محل التطبيق وطبيعته وآثاره، فإن نقل النتيجة القانونية إليه دون التحقق من بقاء العلة التي قامت عليها يثير إشكالية دستورية حقيقية.
وهنا تكمن المسألة الأهم من مجرد القول أن (الربع المجاني) يخالف من الدستور؛ فجوهر الإشكالية يتمثل في التوسع في تطبيق استثناء ارتبط بعلة وظروف معينة، ليشمل حالات قد لا تتحقق فيها تلك العلة أصلاً، ولا تقف الإشكالية عند السكك الحديدية بل تمتد، من حيث المبدأ، إلى أي توسع في نطاق الاقتطاع دون تعويض ليشمل المرافق العامة أو الحدائق العامة أو المباني العامة، فهذه المشروعات قد تحقق منفعة عامة تبرر الاستملاك، إلا أن تحقق المنفعة العامة للمشروع لا يعني بالضرورة تحقق منفعة خاصة للجزء المتبقي من العقار، ومن هنا، يجب التمييز بين المنفعة العامة للمشروع والمنفعة الخاصة التي تعود على العقار المتبقي؛ فالأولى تبرر الاستملاك، أما الثانية فهي التي يمكن الاعتداد بها عند تقدير التعويض، فالمنفعة العامة، بذاتها، لا تكفي لتبرير الانتقاص من التعويض، ولا ينبغي أن يمتد استثناء تشريعي من حالة إلى أخرى ما لم تتوفر في الحالة الجديدة العلة والمبررات التي قام عليها ذلك الاستثناء؛
إن المعالجة التشريعية المقترحة، لا تقتضي تعطيل مشاريع السكك الحديدية أو المساس بحق الدولة في الاستملاك، وإنما ضبط الاستثناء وعدم التوسع فيه إلى ما وراء علته وحدوده، وأرى أنها تقوم على ثلاثة محاور:
أولاً: تصحيح التعريف، فالأسلم من الناحية التشريعية عدم إدراج (سكك الحديد) ضمن تعريف (الطريق)، واستحداث تعريف مستقل لها عند الحاجة، ثم تحديد الأحكام التي تسري عليها صراحة، فالتعريف ليس مسألة لغوية فحسب، وإنما تترتب عليه آثار قانونية متعددة.
ثانياً: الانتقال من افتراض المنفعة إلى إثباتها، فلا ينبغي افتراض أن إنشاء الطريق يحقق دائماً منفعة للجزء المتبقي من العقار، وإنما تكون العبرة بما يتحقق فعلاً من أثر على قيمته أو الانتفاع به، وبما يبرر أخذه في الاعتبار عند تقدير التعويض.
ثالثاً: ضبط نطاق تطبيق المادة (192) من قانون الملكية العقارية، فاستكمالاً لمعالجة التعريف، يجب أن ينعكس الفصل بين الطريق والسكك الحديدية صراحةً على حكم الاستملاك دون تعويض الوارد في الفقرة (أ) من هذه المادة، بالنص على عدم سريان هذا الحكم على العقارات المستملكة لغايات إنشاء السكك الحديدية أو توسعتها، فالمقصود ليس إعادة بناء نظام التعويض المقرر في القانون، وإنما منع امتداد الاستثناء المقرر لاستملاك الطرق إلى السكك الحديدية، وإبقاء استملاك العقارات اللازمة لها خاضعاً للأصل المتمثل في استحقاق التعويض وفقاً لأحكام القانون؛
ويمكن تحقيق ذلك بإضافة العبارة التالية إلى آخر الفقرة (أ) من المادة (192) من القانون: (ولا يسري حكم الاستملاك دون تعويض، المنصوص عليه في هذه الفقرة، على استملاك العقارات لغايات إنشاء السكك الحديدية أو توسعتها، ويستحق المالك في هذه الحالة التعويض وفقاً لأحكام هذا القانون)، وبذلك تصبح المعالجة واضحة، تعريف مستقل للسكك الحديدية، وضبط لنطاق الاستثناء، وانتقال من افتراض المنفعة إلى إثباتها، وإبقاء التعويض العادل هو الأصل.
رسالتي إلى الحكومة ومجلس الأمة إعادة النظر في هذه الجزئية الآن ليست تراجعاً عن المشروع، وإنما تحصين له، فمشروعات بحجم شبكة السكك الحديدية الوطنية تحتاج إلى نصوص مستقرة وقادرة على الصمود أمام الاختبار الدستوري والقضائي، ومراجعة النص أثناء مساره التشريعي هي جوهر عملية صناعة التشريع وتجويده، والمواطن الذي تقع أرضه في مسار مشروع وطني لا ينبغي أن يتحمل منفرداً جزءاً من كلفة مشروع يستفيد منه المجتمع بأسره، ما لم تتحقق لملكه المتبقي منفعة خاصة ومباشرة تبرر أخذها في الاعتبار عند تقدير التعويض، فالمنفعة العامة تمنح الدولة الحق في الاستملاك، والتعويض العادل يحفظ للمواطن حقه في الملكية، ولا تعارض بين الإثنين متى أحسن المشرّع إقامة التوازن بينهما؛
ومن هنا تتلخص رسالتي إلى الحكومة ومجلس الأمة: صححوا التعريف، واضبطوا نطاق الاستثناء، واربطوا المنفعة بحقيقتها لا بافتراضها، واجعلوا التعويض العادل هو الأصل.