اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. راكان نايف ابو زيد : التخطيط الاستراتيجي للموارد البشرية:

د. راكان نايف ابو زيد : التخطيط الاستراتيجي للموارد البشرية:
أخبارنا :  

توظيف الذكاء الاصطناعي لاستشراف الاحتياجات

يُعد التخطيط أحد أهم المراحل الأساسية في تطوير القطاع العام؛ لما له من دور محوري في تحديد الاحتياجات المستقبلية من الموارد البشرية وتطوير القدرات والكفايات وبناء منظومة تدريبية متراكمة تستجيب لمتطلبات العمل المتغيرة، فلم يعد التخطيط للموارد البشرية يقتصر على تحديد أعداد الموظفين والوظائف الشاغرة بل أصبح عملية استراتيجية تستشرف المستقبل وتربط بين احتياجات المؤسسة وأهدافها التنموية.

وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم نتيجة التطور الرقمي والذكاء الاصطناعي، أصبح من الضروري إعادة النظر في هيكل الوظائف في الإدارة العامة وتحديد المسارات الوظيفية بصورة أكثر وضوحًا ودراسة الوظائف التي يمكن تقليصها أو إعادة تصميمها أو الاستغناء عنها نتيجة الأتمتة والتحول الرقمي، مقابل تحديد الوظائف والمهارات الجديدة التي ستحتاجها الإدارة العامة في المستقبل، ومن هنا تبرز أهمية استشراف المستقبل باعتباره إحد الأدوات الرئيسية في تطوير الإدارة العامة وتخطيط مواردها البشرية.

ولتحقيق أهداف خارطة تحديث القطاع العام لا بد من الانتقال إلى تطبيق أحدث الممارسات في تخطيط الموارد البشرية وفي مقدمتها التخطيط القائم على الكفايات وإعداد خرائط للمهارات والكفايات داخل المؤسسات بما يتيح فهم القدرات الحالية ومقارنتها بالقدرات المطلوبة مستقبلًا، كما أنه لا بد من توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي في تحليل فجوات المهارات والكفايات من خلال مقارنة الوضع الحالي بالاحتياجات المستقبلية وتحديد المجالات التي تتطلب تدريبًا أو إعادة تأهيل أو استقطابًا لكفاءات جديدة.

كذلك يمثل التخطيط الاستراتيجي للموارد البشرية عنصرًا أساسيًا في هذه المنظومة، إذ يربط احتياجات الموظفين بالاستراتيجية المؤسسية ويضمن أن تكون القرارات المتعلقة بالتوظيف والتطوير والتدريب مبنية على أهداف واضحة وبيانات دقيقة، ويكتسب هذا الأمر أهمية أكبر عند دمجه مع استشراف المستقبل ولا سيما من خلال تخطيط السيناريوهات الذي يمكّن الإدارة من اختبار احتياجاتها من الموارد البشرية في ظل سيناريوهات مختلفة، والاستعداد المبكر للتغيرات المحتملة.

ومن الأدوات المهمة كذلك التحليلات التنبؤية التي يمكن أن تساعد المؤسسات الحكومية في التنبؤ باحتياجاتها المستقبلية من الموارد البشرية ومعدلات التقاعد والإحلال والنقل، ونقص المهارات والكفايات، كما يبرز تخطيط الطاقة الاستيعابية كأداة مهمة لتحديد حجم الكادر المطلوب بناءً على حجم العمل الفعلي بما يساعد على تحقيق التوازن بين حجم الموارد البشرية وحجم المهام والخدمات المقدمة.

لذا فإن التخطيط المستند إلى الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة حقيقية للارتقاء بكفاءة القطاع العام؛ فهو لا يقتصر على تحليل البيانات بل يمتد إلى تحديد الكفايات واكتشاف المواهب والتنبؤ بالاحتياجات والكشف عن مواقع الفائض والنقص في الموارد البشرية، وبذلك يتحول تخطيط الموارد البشرية من وظيفة إدارية تقليدية إلى أداة استراتيجية لصناعة مستقبل الإدارة العامة، بما يعزز كفاءتها ومرونتها وقدرتها على الاستجابة للتغيرات وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

وحيث أن نجاح خارطة تحديث القطاع العام لا يرتبط فقط بإعادة هيكلة المؤسسات وتطوير الإجراءات، وإنما بقدرتها على بناء رأس مال بشري حكومي مستدام يمتلك الكفايات والمهارات المستقبلية، لذا فإن التخطيط الاستراتيجي للقوى العاملة واستشراف المستقبل والتحول نحو إدارة الموارد البشرية القائمة على الذكاء الاصطناعي، تمثل مرتكزات حاكمة لبناء إدارة عامة أكثر رشاقة وكفاءة ومرونة، فالغاية ليست إدارة الموارد البشرية القائمة اليوم، بل إعادة تشكيلها بما يتواءم مع وظائف المستقبل ومتطلبات الدولة الحديثة وبما يضمن استدامة الإصلاح الاداري وتحويل خارطة التحديث من إطار استراتيجي إلى قدرات مؤسسية ونتائج قابلة للقياس.


مواضيع قد تهمك