حسين بني هاني : إنكشاف السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط
كل دول العالم ، كانت تتجنب تحدّي الولايات المتحدة ، وتخشى ردود فعلها العسكرية ، لكن طريقة الهوس والغطرسة التي إتخذ بها ترامب قرار الحرب على إيران ، تنفيذاً لأمنيات نتنياهو ، أظهرت عيوب السياسة الأمريكية في المنطقة ، هذا من شأنه ان يترك بعض الندوب والعواقب الطويلة الأمد على واشنطن ، خاصة مصداقيتها العسكرية والرئاسية ، التي لم تكن يوماً في موضع شكٍ لدى دول العالم .
لا يمكن فصل إتفاق مكة الأخير ، عن فكرة تعزيز أمن حلفاء واشنطن الذاتي ، بعيدا عن المظلّة الأمنية الامريكية ، بعد فشل الولايات المتحدة في الخليج ، وعجز النمط الامريكي التقليدي لإدارة المنطقة طوال العقود الماضية ، التي لا زالت تعصف بها دائرة مفرغة من الصراعات ، بعد أن شكّلت المواجهة الامريكية الايرانية ، إختبارا مباشرا لكل منظومة الأمن الإقليمي ، ورغبة كبيرة في التحرر من الوصاية الامريكية ، هذا بحد ذاته جعل واشنطن ، تدفع ثمن عدم القدرة على التنبؤ بسياسات ترامب ، وافتقاره إلى رؤية استراتيجية ، مما جعل من حربه في الخليج ، مجرّد مستنقع تكاد واشنطن تغرق في أوحاله .
لقد إكتشف حكام المنطقة فجأة خلال الحرب ، خطورة غياب النظام الأمني الإقليمي ، القادر على الدفاع عن المنطقة ، واستيعاب الخلافات بين دولها ، عبر مزيج من القدرات العسكرية الوطنية ، وبناء منظومة علاقات دولية ، حيث أثبتت المواجهة في الخليج ، أن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة ، لايمكن أن يكون بديلا عن بناء ترتيبات أمنية إقليمية ، هذا ما تنبهت له الرياض بوعي كامل مؤخرا، في ظل معطيات الجغرافيا التي تحكم سياسات المنطقة .
حلف مكة الجديد ، لن يعني بأي حال القطيعة مع واشنطن ، هذه الدول تعرف تماما أن سياسات الاخيرة وإداراتها ، تتغير بين الفينة والأخرى ، وأن أمنها القومي والإقليمي ، يقتضي أن يبقى ضمن مسؤولياتها الأولية .
إعادة النظر في مفهوم الأمن القومي ، والبحث عن خيارات أكثر تنوعاً واستقلالية ، أظهرت أن السلاح وحده ، لا يكفي لبناء منظومة ردع متكاملة ، وأن الاعتماد المفرط على شريك خارجي لا يوفّر الاستجابة ، لجميع التهديدات والتحوّلات التي تشهدها المنطقة ، وفق ذلك يمكن قراءة هذا التقارب السعودي التركي الباكستاني ، بوصف الأخيرة صاحبة المظلّة النووية ، بعد أن ثبت للجميع ، أن هذه المنطقة ما زالت رهينة الحروب ، وأنه باستثناء إسرائيل ، ممنوع عليها تطوير صناعاتها ، وبناء أي قدرات نووية للأغراض السلميّة .
إتفاق مكة ، يمثّل منعطفا رئيسيا في بنية الأمن في الشرق الأوسط ، هذا الأمر تعرفه تل أبيب ، ولا أظن أنّ واشنطن سوف تكون سعيدة به كثيراً ، رغم علاقاتها الوثيقة مع هذه الدول ، كلاهما يدركان أن العالم نادراً ما عاش خلال العقود الأخيرة ، مثل هذه البيئة المعادية المتعددة الأطراف ، الحافلة بحركة السوائل التي تقاوم النماذج القديمة ، التي تعوّد عليها الناس .
طموحات تل أبيب في المنطقة ، سوف تصطدم باتفاق مكة ، لانه سيوقف مسار اتفاقات أبراهام ، ولن يرضي ايران رغم الترحيب به ، لأن رسالته السياسية واضحة للعيان في المنطقة بأسرها .