م. عامر البشير : إدارة بلا معرفة أو اختصاص .. من يملك القرار هل يملك الأهلية؟
في العاشر من تموز 2023، نشرت الإدارة الصينية للفضاء السيبراني إشعارًا تضمن ثلاثة عشر إجراءً لتشديد إدارة «الإعلام الذاتي». ومن بين ما ورد فيه إلزام المنصات بالتحقق من الحسابات التي تنشر محتوى تخصصيًا في المال والتعليم والصحة والقضاء، وإظهار بيانات اعتماد أصحابها المهنية للجمهور.
لا تصلح هذه التجربة نموذجًا نأخذه بحرفيته؛ فمعايير «الأهلية» قد تنقلب إلى وسيلة لضبط المحتوى سياسيًا، لا مهنيًا فحسب. لكنها تفتح بابًا لسؤال يتجاوز المنصات: إذا كان تقديم معلومة تخصصية إلى الجمهور يحتاج إلى ما يثبت معرفة صاحبها، فماذا عن القرار العام، وهو أوسع أثرًا وأكثر كلفة؟
حين يتحول الرأي إلى قرار
المسألة هنا لا تتعلق بتقييد حق الناس في الكلام، بل بالفرق بين حرية إبداء الرأي ومسؤولية اتخاذ القرار. صاحب الحساب قد يؤثر في قناعات متابعيه، أما المسؤول العام فيوقّع قرارًا يُلزم الناس، وينفق مالًا عامًا، ويرسم سياسة قد تبقى آثارها سنوات. ومع ذلك، نشدد أحيانًا في مساءلة من يتحدث، ونتساهل في مساءلة من يقرر.
لو طُبق معيار الأهلية على الوظائف القيادية والفنية في الإدارة العامة الأردنية، وطُلب من كل من يشغل موقعًا مؤثرًا أن يثبت صلة حقيقية بين مؤهله وخبرته والمسؤولية التي يحملها، فكم موقعًا سيبقى مشغولًا؟ وكم مقعدًا سيشغر في الوزارات والهيئات والمؤسسات والشركات العامة؟
ليس هذا سؤالًا إحصائيًا؛ فلا تتوافر، في حدود ما هو منشور ومتاح للرأي العام، مراجعة شاملة تسمح بإعطاء رقم موثوق عن الحالة الأردنية. وفي المقابل، أظهرت دراسة منشورة عام 2025، استندت إلى تقييم لجنة الجهاز المدني للدولة في إندونيسيا (KASN) لعام 2023، أن 15.7% فقط من المؤسسات الحكومية المشمولة صُنّفت ضمن فئة «جيد جدًا» في تطبيق نظام الجدارة، بينما توزعت البقية بين «جيد» بنسبة 37.8%، و«مقبول» بنسبة 14.3%، و«ضعيف» بنسبة 32.2%؛ أي إن قرابة نصف المؤسسات لم تتجاوز تصنيف «مقبول».
وهذا مؤشر صادر عن دولة تُخضع نظامها الوظيفي للتقييم، وتعلن جوانب التقدم والقصور فيه. أما غياب رقم مماثل في الحالة الأردنية فيكشف فجوة تستحق التوقف عندها؛ إذ لا يبدو قياس صلة الأهلية بالمنصب ممارسة مؤسسية ظاهرة للرأي العام. ولا يفترض السؤال أن الخلل شامل، ولا يتناول شخصًا أو تعيينًا بعينه، وإنما يناقش معيارًا عامًا ينبغي تطبيقه على الجميع، ويدعو إلى إحلال القياس الموضوعي محل الانطباعات والاعتبارات غير المعلنة.
حين تصبح كلفة الجهل عامة
نستهجن أن ينتحل شخص صفة طبيب؛ لأن اللقب المهني يحمل وعدًا ضمنيًا بالمعرفة والمسؤولية. غير أن الضرر الناتج عن نقص المعرفة لا يكون طبيًا دائمًا؛ فقد يكون ماليًا أو إداريًا أو عمرانيًا أو تنظيميًا، وقد يصيب مؤسسة كاملة بدلًا من مريض واحد، أو تتوزع كلفته على آلاف المواطنين.
فالقرار غير المدروس قد يُجهض استثمارًا، أو يحمّل مؤسسة التزامات باهظة، أو يعطل مشروعًا عامًا. وغالبًا لا يظهر الضرر فورًا؛ فقد يختبئ في الموازنات، ويتوزع بين القطاعات، ويضيع بين اللجان وتعاقب المسؤولين. لكن تأخر ظهوره لا يجعله أقل خطورة، بل قد يوسع أثره ويصعّب تحديد المسؤولية عنه.
المنصب يمنح صاحبه سلطة القرار، لكنه لا يمنحه، بمجرد صدور قرار التعيين، المعرفة اللازمة لممارسة هذه السلطة. ولنتخيل، على سبيل الافتراض، مديرًا عامًا لهيئة تنظم قطاعًا تقنيًا معقدًا، بينما خلفيته العلمية بعيدة عنه وخبرته إدارية عامة. قد يكون ذكيًا وحسن النية، لكنه قد يضطر إلى قضاء أشهر في تعلّم مفاهيم كان يُفترض أن يعرفها قبل وصوله، فيما تصدر قرارات تنظيمية يوقّعها هو، لا الخبراء الذين يستشيرهم.
الأهلية أوسع من الشهادة
لا يحمل هذا الكلام اتهامًا للعاملين في الدولة أو تشكيكًا عامًا في كفاءتهم. ففي الإدارة الأردنية كفاءات رفيعة وخبرات تراكمت على مدى سنوات، وبعضها يعرف مؤسساته وقطاعاتها على نحو لا تختصره الشهادات. كما أن التخصص وحده لا يصنع مسؤولًا ناجحًا؛ فقد يحمل المرء أعلى المؤهلات، لكنه يفتقر إلى الحكمة أو النزاهة أو القدرة على القيادة.
المقصود ألا تصبح المعرفة ذات الصلة بالموقع مسألة ثانوية تُستكمل بعد التعيين. ومن الطبيعي أن يدخل الشاب الوظيفة العامة قليل الخبرة؛ فكل خبير بدأ مبتدئًا، والدولة مطالبة ببناء أجيال جديدة من الكفاءات. لكن هناك فرقًا بين موظف يتعلم داخل مسار مهني واضح، ومسؤول يتولى موقعًا حساسًا ثم يبدأ تعلّم أبجدياته على حساب المؤسسة والمال العام.
والنجاح في حقل لا يجعل صاحبه مرجعًا تلقائيًا في حقل آخر، كما أن درجة المواءمة المطلوبة ليست واحدة في جميع المواقع. فالوظائف الفنية تحتاج إلى صلة أكثر صرامة بين الاختصاص والعمل، بينما تتسع المساحة في المواقع القيادية، حيث يمكن للخبرة الإدارية أن تعوّض اختلاف التخصص أحيانًا، شريطة وجود سجل إنجاز حقيقي، وقدرة مثبتة على فهم القطاع، ووعي بحدود المعرفة الشخصية.
ليس المطلوب، إذن، تطابقًا حرفيًا بين الشهادة والمسمى الوظيفي، ولا إقامة «دولة شهادات» تختزل الإنسان في ورقة معلقة على الجدار. فالأهلية أوسع من الشهادة؛ إنها معرفة مرتبطة بالمجال، وخبرة عملية، وقدرة قيادية، وسجل إنجاز، ونزاهة، وكفاءة في مناقشة الآراء الفنية والمفاضلة بين البدائل.
وعندما تضعف هذه العناصر، قد تتحول اللغة الإدارية إلى ستار يحجب نقص المعرفة. فتكثر اللجان والاجتماعات، ويصبح طلب المزيد من المعلومات بديلًا من فهم المتاح منها. والاستعانة بالمستشارين ضرورية في القطاعات المعقدة، لكن فائدتها تتراجع إذا لم يكن صاحب القرار قادرًا على تقييم ما يُعرض عليه أو مساءلة من أعدّه. عندها لا تبني الإدارة خبرة مؤسسية مستقرة، بل تستأجر الخبرة مؤقتًا، وهو ما قد يسهم في تعثر المشاريع وإضعاف الثقة بالمؤسسة.
من التعيين إلى المساءلة
الإصلاح لا يبدأ من فراغ. فقد شهد الأردن إنشاء هيئة الخدمة والإدارة العامة بموجب نظامها رقم (80) لسنة 2023، ثم صدور نظام إدارة الموارد البشرية في القطاع العام رقم (33) لسنة 2024، ونظام القيادات الحكومية رقم (70) لسنة 2024، وما طرأ على هذه المنظومة من تعديلات، ضمن مسار معلن يستهدف تعزيز الكفايات والتنافس وتقييم الأداء. لكن قيمة هذا المسار لا تُقاس بالنصوص وحدها، وإنما بما يحدث عند التطبيق، ولا سيما عند النظر في أي استثناء من المعايير المعلنة.
البداية العملية هي وصف وظيفي دقيق لكل موقع، يحدد المعرفة والخبرة المطلوبتين بدلًا من الاكتفاء بعدد سنوات الخدمة. يلي ذلك اختيار تنافسي أمام لجان محايدة، وفق معايير معلنة قبل فتح باب الترشح، ثم تقييم دوري يرتبط بنتائج العمل، لا بالانطباعات العامة. ومن حق الناس أن يفهموا منطق الاختيار، لا أن يعرفوا النتيجة فقط.
وللحد من احتمال تفصيل الشروط بما يلائم مرشحين معروفين سلفًا، ينبغي نشر المعايير مسبقًا، وإخضاع أي استثناء لتبرير مكتوب ورقابة مستقلة. قد لا تمنع هذه الضمانات جميع أشكال التدخل، لكنها ترفع كلفته وتجعله ظاهرًا، بدلًا من أن يمر تحت عبارات فضفاضة مثل «المصلحة العامة».
السؤال الصحيح عند التعيين ليس: من نريد أن نضع في هذا الموقع؟ بل: ماذا يحتاج هذا الموقع، ومن يملك أفضل قدرة مثبتة على أدائه؟ هنا يظهر الفرق بين نهج تُفصّل فيه المواقع للأشخاص، ونهج مؤسسي يختار الأشخاص لخدمة المواقع.
وقد يؤدي تطبيق هذا المعيار بجدية إلى شغور مقاعد في البداية. وليس كل شغور خسارة؛ فقد يكون فرصة لاستعادة المؤسسة قدرتها على أداء وظيفتها. فالمقعد العام لا يستمد قيمته ممن يجلس عليه، بل مما ينجزه، ولا يمنح شاغله حقًا مكتسبًا، وإنما يحمّله أمانة مؤقتة تجاه الدولة والمجتمع.
لسنا بحاجة إلى استنساخ التجربة الصينية، ولا إلى إغلاق أبواب النقاش أمام غير المتخصصين. ما نحتاجه هو استعادة قاعدة بسيطة: كلما اتسعت سلطة الإنسان، وجب أن ترتفع كفاءته وتشتد مساءلته.
لو خضعت المواقع القيادية والفنية في الدولة لاختبار بسيط يقيس صلة المؤهل والخبرة بالمسؤولية، فكم من شاغليها سيجتاز الاختبار؟ والأهم: كم موقعًا لم يكن ينبغي أن يُشغل، منذ البداية، قبل التحقق من أهلية شاغله؟