اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. أميرة يوسف ظاهر : التوجيهي 2026: حين يصبح الرقم أكبر من صاحبه

د. أميرة يوسف ظاهر : التوجيهي 2026: حين يصبح الرقم أكبر من صاحبه
أخبارنا :  

في الساعات التي تسبق إعلان نتائج التوجيهي، لا يكون الأردن في انتظار خبر عابر.


هناك طالب يفتح هاتفه أكثر من مرة، وأم تحاول أن تبدو هادئة فيما قلبها يسبقها إلى الشاشة، وأب يتظاهر بالانشغال، لكنه يعرف أن السؤال الأكبر في البيت كله مؤجل إلى لحظة واحدة: كم كانت النتيجة؟


ثم يظهر الرقم.


رقم واحد في خانة صغيرة قد يصنع فرحا هائلا أو خيبة ثقيلة. لكنه مهما كان دقيقا، لا يستطيع اختصار سنوات من التعلم، ولا قياس الشغف والمثابرة والخيال والقدرة على النهوض بعد التعثر.


وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل يمتحن التوجيهي الطالب وحده، أم يمتحن منظومة كاملة؟


نحو 196 ألف طالب وطالبة يقفون هذا العام أمام محطة مختلفة في مسيرة الثانوية العامة؛ إذ أصبح احتساب المعدل أكثر تراكما، بواقع 30% للجزء الأول و70% للجزء الثاني. وهي خطوة تطرح سؤالا أعمق من توزيع النسب: هل تغيرت فلسفة التقييم، أم تغير شكل الامتحان فقط؟


إذا كان المقصود أن ننتقل من الدراسة من أجل الامتحان إلى التعلم من أجل الحياة، فنحن أمام إصلاح يستحق البناء عليه، أما إذا انتقل القلق من سنة إلى عامين، فقد نكون أطلنا زمن الامتحان أكثر مما غيرنا معناه.


المشكلة ليست في العلامة: المشكلة في السلطة التي منحناها للعلامة.


في الأردن لا ينتهي التوجيهي عند بوابة المدرسة، فله اقتصاد خفي من الدروس الخصوصية والنفقات والقلق، وله طقوس اجتماعية تبدأ بالسؤال الشهير: كم جبت؟ في البيت والديوان، وقد تصل أحيانا إلى احتفالات خطرة تطلق فيها العيارات النارية أو تغلق الطرق.


وفي زمن تحولت فيه الشاشة إلى ساحة عرض، تضيف وسائل التواصل طبقة أخرى من الضغط: مقارنة بالأوائل، وتداول للنتائج، وتوقعات وتعليقات، وكأن مستقبل 196 ألف شاب يمكن أن يختزل في جدول ترتيب.


يتذكر أحد الطلبة في لحظة كهذه، أن السؤال عن معدله لم يكن يبدو له سؤالا عن امتحان، بل عن قيمته هو. وهنا تكمن المشكلة: حين يصبح الرقم بطاقة هوية، يتحول النجاح من إنجاز إلى حكم.


لكن الرقم نتيجة، وليس هوية.


قد يحصل طالب على علامة عالية، ثم يكتشف أن تخصصه لم يكن اختياره الحقيقي. وقد يحصل آخر على نتيجة أقل مما أراد، ثم يجد طريقه في مجال لم يكن في حساباته.


لذلك، ربما آن الأوان لأن نستبدل السؤال الأردني الشهير: كم جبت؟

بسؤال أكثر نضجا: إلى أين ستذهب من هنا؟


فالمستقبل لا يحتاج حافظا جيدًا للمعلومات فقط؛ وإنما إنسانا يتعلم من جديد، ويفكر نقديا، ويتعامل بوعي مع الذكاء الاصطناعي، ويتكيف مع سوق عمل لا يتوقف عن التغير.


وهنا لا يقع العبء على طرف واحد؛ فالسؤال الذي يستحق أن يسأله كل أب وأم اليوم ليس: كم جاب ابني؟ بل: هل شعر ابني أن حبي له مشروط بهذا الرقم؟


والمدرسة مطالبة بألا تختزل النجاح في القدرة على الإجابة، وصانع القرار مطالب بألا يكتفي بسؤال: كم بلغت نسبة النجاح؟، بل أن يسأل: ماذا تعلم أبناؤنا فعلا، وماذا يستطيعون أن يفعلوا بهذا التعلم؟


ولا يقل أهمية أن نعيد النظر في معنى الخيارات نفسها. فالمستقبل لا يفتح بالمسار الأكاديمي وحده؛ والتعليم المهني والتقني ليس خيارا من الدرجة الثانية، بل رافد أساسي للاقتصاد، وساحة حقيقية للمهارة والإنتاج والفرص.


والغاية في النهاية ألا يخرج الطالب من التوجيهي بشهادة فقط، بل بقدرة على اختيار طريقه.


اليوم سيظهر الرقم. ستنطلق الزغاريد، وربما تنهمر دموع الخيبة. لكن الحقيقة التي لا تستطيع شهادة أن تكتبها هي أن الطالب لا يصبح ناجحا لأن الرقم كبير، ولا يصبح فاشلا لأن الرقم أصغر مما حلم.


الرقم يخبرك أين وصلت في امتحان؛ لكنه لا يخبرك إلى أين تستطيع أن تصل في الحياة.


فإذا كنت صاحب الرقم اليوم، تذكر: أنت من يملك الرقم لا العكس.


التوجيهي باب، أما الطريق الحقيقي، فلم يبدأ بعد.





مواضيع قد تهمك