أ. د. كامل محادين : د جعفر حسان .. سياسة بلا ضجيج في زمنٍ أصبحت فيه السياسة تُقاس أحياناً
بعدد التصريحات، وسرعة الظهور الإعلامي، وحجم الحضور على منصات التواصل الاجتماعي، اختار الدكتور جعفر حسان طريقاً مختلفاً: أن يتحدث بالعمل أكثر مما يتحدث بالكلام.
ومنذ توليه رئاسة الحكومة، بدا أن الرجل يفضل أن يترك للمشاريع والقرارات والزيارات الميدانية مهمة تقديم صورته، بدلاً من الاعتماد على الخطاب السياسي الطويل. وهذا الأسلوب قد لا يكون الأكثر إثارة للإعلام، لكنه يحمل في طياته شيئاً من مفهوم رجل الدولة الذي يرى أن قيمة المسؤول ليست في كثرة ما يقول، وإنما في مقدار ما ينجز. حكومة تذهب إلى الميدان
أحد أبرز ملامح تجربة حكومة جعفر حسان هو الحضور الميداني. فبدلاً من الاكتفاء بالتقارير المكتبية، توجه رئيس الوزراء إلى المحافظات والمشاريع والمرافق العامة، والتقى المواطنين والمسؤولين، واطلع بصورة مباشرة على المشكلات التي تواجه التنفيذ.
وهنا تبرز نقطة مهمة: الميدان لا يشبه المكتب. فالملفات التي تبدو سهلة على الورق قد تكشف عند تنفيذها عن عقبات تتعلق بالتمويل أو البيروقراطية أو نقص الكوادر أو ضعف التنسيق بين المؤسسات. ولذلك فإن النزول إلى الميدان ومتابعة التفاصيل يمكن أن يكون جزءاً أساسياً من الإدارة الحكومية الجادة.
يبقى الاقتصاد الاختبار الأكبر أمام أي حكومة
أردنية.فالمواطن لا ينتظر أرقاماً اقتصادية مجردة بقدر ما يريد أن يرى أثرها في حياته: فرصة عمل، دخلاً أفضل، استثماراً جديداً، مشروعاً صغيراً قادراً على الاستمرار، أو خدمة حكومية أقل كلفة وتعقيداً.
ومن هنا فإن تركيز الحكومة على الاستثمار، ودعم القطاعات الإنتاجية، وتحسين بيئة الأعمال، ودفع مشاريع رؤية التحديث الاقتصادي، يمثل اتجاهاً مهماً، لكن نجاحه الحقيقي سيقاس بقدرته على خلق فرص عمل وتحسين القدرة الشرائية ورفع مستوى النشاط الاقتصادي. وهذا هو التحدي الذي لا يمكن لأي حكومة أن تتجاوزه بالخطاب وحده.
الإصلاح الإداري.. المعركة الهادئة… ربما لا يحظى الإصلاح الإداري بالاهتمام الشعبي الذي تحظى به الملفات السياسية والاقتصادية، لكنه من أكثر الملفات تأثيراً في حياة المواطن.
عندما يستطيع المواطن إنجاز معاملته بسرعة، وعندما تقل الإجراءات والروتين، وعندما تصبح المؤسسات الحكومية أكثر ترابطاً وكفاءة، فإن الإصلاح يتحول من شعار إلى تجربة يومية.
وهنا يمكن فهم جانب من فلسفة حكومة د حسان: إصلاح الدولة لا يحتاج دائماً إلى قرارات صاخبة، بل إلى عمل تراكمي طويل وصبر على التفاصيل.
الفرق بين السياسي ورجل الدولة أن السياسي قد ينشغل بما سيقال عنه غداً، بينما ينشغل رجل الدولة بما سيبقى بعد سنوات.
ومن هذه الزاوية يمكن قراءة شخصية جعفر حسان. فهو لا يبدو من السياسيين الذين يبحثون عن البطولة اليومية أو عن تسجيل النقاط الإعلامية، بل يميل إلى العمل الهادئ، ومتابعة الملفات، والاستناد إلى المؤسسات. لكن رجل الدولة لا يُصنع بالهدوء وحده؛ بل يحتاج إلى قرار، وجرأة، وعدالة في الإنجاز، وقدرة على تحمل المسؤولية عندما تكون القرارات صعبة.وهذه صفة تميزت بها هذه الحكومة.
وهنا تحديداً سيكون الاختبار الحقيقي. قد يكون من السهل أن نصف رئيس الحكومة بأنه «رجل دولة صامت قولاً»، وأعتقد جازما بأن يتحول هذا الصمت إلى إنجازات تتحدث عن نفسها.
فالمواطن الأردني لا يحتاج بالضرورة إلى مسؤول كثير التصريحات، وإنما إلى مسؤول يسمع مشكلته، ويتابعها، ويحاسب المقصر، ويعود إليه بنتيجة.
ولذلك فإن أفضل وصف لحكومة حسان ربما لا يكون «الحكومة الصامتة»، بل الحكومة التي تحاول أن تجعل العمل يتحدث عنها. وفي السياسة، قد ينجح هذا الأسلوب إذا كانت النتائج واضحة وملموسة.
وفي النهاية، يبقى الحكم للمواطن. فهو لا يعيش في البيانات الحكومية، ولا في المؤتمرات الصحفية، ولا في الخطط المكتوبة. هو يعيش في المدرسة،
والمستشفى، والشارع، والجامعة، ومكان العمل، ودائرة الحكومة، والسوق. هناك فقط يُختبر رجل الدولة. وهناك فقط يصبح الصمت قولاً، والعمل لغة، والإنجاز هو البيان الأهم.