حسن طارق الور : مشروع قانون الملكية العقارية: اختبار للعقد الاجتماعي
بنيت المملكة الأدنية الهاشمية على مبدأ واضح نصّ عليه الدستور في مادته الأولى: "المملكة الأردنية الهاشمية دولة عربية مستقلة ذات سيادة، ملكها لا يتجزأ ولا ينزل عن شيء منه، والشعب الأردني جزء من الأمة العربية، ونظام الحكم فيها نيابي ملكي وراثي"؛ فنظام الحكم "نيابيٌّ ملكيٌّ وراثي"، والملك هو الضامن والكفيل للدستور وللعقد الاجتماعي القائم بين الأردنيين وسلطتهم.
و تنص المادة 11 من الدستور على: "لا يستملك ملك أحد إلا للمنفعة العامة وفي مقابل تعويض عادل حسبما يعين في القانون"؛ فحق الملكية ليس منّة من مشرّع، بل هو حق فطري جُبل عليه الإنسان منذ أن عمّر الأرض وزرعها وبنى عليها، وقد أكدت الديانات السماوية جميعها حرمته وقدسيته.
وقد جاءت المادة (11) من الدستور الأردني مؤكدةً هذا الحق الأصيل، ورغم وضوح النص وصراحته، فقد أجاز مشروع القانون الجديد - وبمباركة نواب الشعب - للحكومة استملاك ربع الملك الخاص لغايات إنشاء وخدمة السكك الحديدية والمرافق العامة دون تعويض صاحب الحق، فإن تجاوز الاستملاك نسبة 25% من الملك، كان التعويض بالسعر الإداري لا بالقيمة الحقيقية للعقار وما قام عليه من استثمارات، مخالفاً التعويض العادل الذي ينص عليه الدستور.
ولنتأمل الأثر العملي لهذا النص اعطي مثالاً على مزارعٌ ورث أرضه عن أبيه وجدّه، وأفنى عمره في غرس أشجارها وحفر آبارها ومدّ قنواتها، سيستيقظ يوماً ليجد أن ربع أرضه قد اقتُطع بجرّة قلم دون فلسٍ واحد، وأن زاد عن ذلك يقيم بسعرٍ إداري لا يعرف قيمة الشجرة المثمرة ولا البئر الجارية ولا البناء القائم، فأي عدالة هذه؟ وأي ضمانة تبقى لمن يستثمر في أرضه ووطنه إذا كان جهد العمر عرضةً للنزع بلا مقابل عادل كما نص دستور مملكتنا؟
إن تشريعاً كهذا يمسّ جوهر العقد الاجتماعي الذي تكوّن بين الأردنيين ودولتهم، ويهزّ ثقة المواطن بأن ملكه مصون وحقه محفوظ.
وهنا استذكر قول جلالة الملك في خطاب عيد الاستقلال الأخير: "بيننا عهد يُحفظ في الصدور، الله أعلم به من كل قول". والثقة كبيرة بجلالة الملك - حفظه الله ورعاه - فهو الضامن والكفيل لهذا العقد والعهد، وصمّام الأمان للدستور.
فالأجدر عملاً لهذه الحكومة أن تنقل العهد المحفوظ في الصدور إلى النصوص والتشريعات الأردنية، لا أن تفرّط فيه؛ فالأوطان لا تُبنى على أنقاض حقوق أبنائها، والعقد الاجتماعي إن اهتزّ ركنه اهتزّ البنيان كله.
نأمل من بمجلس الأعيان، أن ينصر العقد الاجتماعي ويردّ هذه المواد إلى جادة الدستور. وستبقى الأرض أمانة، والعهد قائماً، ما دام في هذا الوطن ملكٌ يرعى الدستور وشعبٌ يصونه.