اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. عمر الرداد: اتفاق مكة: رسالة مباشرة لايران ومؤجلة لاسرائيل

د. عمر الرداد: اتفاق مكة: رسالة مباشرة لايران ومؤجلة لاسرائيل
أخبارنا :  

يشكل اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان رسالة غير مشفرة تتضمن انتقال السعودية من سياسة الاعتماد على المظلة الأمنية الأميركية إلى سياسة تنويع مصادر القوة والردع، لا سيما أن الاتفاق جاء في بيئة إقليمية تتزايد فيها احتمالات انتقال الصراع مع إيران إلى دول الخليج ،وأن الرياض تريد أن تمنع تكرار سيناريو تتحول فيه أراضيها ومنشآتها الحيوية إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى.


ومن المرجح أن إيران هي المخاطَب الأول والأكثر مباشرة بالاتفاق، ورسالة تتضمن كثيرا من التاويلات بان أي هجوم واسع عليها لن يبقى بالضرورة مواجهة محصورة بين السعودية وايران، فدخول تركيا وباكستان في معادلة الدفاع المشترك يخلق مستويات من عدم اليقين لدى صانع القرار الإيراني حول حجم الرد، وهو عنصر أساسي في الردع، فطهران ستضطر مستقبلاً إلى حساب احتمالات تدخل تركيا، والموقف العسكري الباكستاني، وتداعيات ذلك على علاقاتها الإقليمية والدولية، بدلاً من افتراض أن ضرب السعودية يمكن أن يبقى محدوداً جغرافياً وسياسياً، بالرغم من تقديرات تشكك بامكان دخول تركيا وباكستان باية مواجهة مع ايران الى جانب السعودية.


مؤكد أن السعودية لا تتوقف بمقارباتها الردعية عند القوة وحدها،فالاتفاق يجمع ثلاث منظومات متكاملة نسبياً: المال والموقع والبنية العسكرية السعودية، والقدرات الصناعية والتكنولوجية والخبرة العملياتية التركية، والعمق العسكري والاستراتيجي الباكستاني بما فيه السلاح النووي، وإذا تطور التعاون إلى إنتاج دفاعي مشترك، وتبادل استخباري، وتكامل في الدفاع الجوي والصاروخي، وتدريب وقيادة مشتركة، فإن الاتفاق سيتحول من إعلان سياسي إلى بنية ردع إقليمية حقيقية.


ورغم الرسالة المباشرة لايران بهذا الاتفاق، الا ان هناك طرفا اخر تلقى الرسالة بصورة غير مباشرة وهو اسرائيل، . فالرياض لا تبني الاتفاق استعداداً لحرب مع إسرائيل، التي تدرك انه كلما ازدادت الخيارات الأمنية السعودية، تقلصت الحاجة إلى ربط الأمن السعودي حصراً بالولايات المتحدة أو بأي ترتيبات أمنية مع إسرائيل، وهذا يمكن أن يؤثر بصورة مباشرة في أية مفاوضات مستقبلية حول التطبيع، ففي السابق كان من الممكن أن تكون الضمانات الأمنية الأميركية والتكنولوجيا الإسرائيلية جزءاً أساسياً من معادلة إقناع السعودية،أما إذا بدأت الرياض ببناء بدائل من خلال تركيا وباكستان ودول أخرى، فإنها تدخل أي تفاوض مستقبلي من موقع أكثر قوة، ويصبح التطبيع خياراً سياسياً يمكن التفاوض على شروطه، وليس مدخلاً ضرورياً للحصول على الأمن، ومن هنا يمكن فهم الهواجس الإسرائيلية غير المعلنة لاتفاق مكة: المشكلة ليست في أن السعودية تتحالف مع إيران ضد إسرائيل، وإنما في أن السعودية قد تصبح أقل احتياجاً إلى إسرائيل.


كما يحمل الاتفاق رسالة لامريكا، بعدم تخلي السعودية عن الشراكة معها، فهي لا تزال بحاجة إلى القدرات الأميركية في الاستخبارات والإنذار المبكر والدفاع الجوي والصاروخي والتكنولوجيا المتقدمة، لكنها في المقابل تريد منع تحول هذه الحاجة إلى تبعية استراتيجية، وبذلك يمكن القول: الاتفاق يترجم سياسة التحوط الاستراتيجي السعودي بالاحتفاظ بالعلاقة الأميركية، مع بناء شراكات أمنية موازية مع تركيا وباكستان، والاستمرار في تنويع العلاقات مع القوى الدولية الأخرى.


ويرجح ان لدى اسرائيل هواجس من احتمال توسع الاتفاق مستقبلاً، حيث ستنقل المشروع من ترتيب ثلاثي إلى شبكة تمتد من الخليج إلى الأناضول والبحر الأحمر وجنوب آسيا،وهو ما يعني بناء كتلة أمنية إقليمية قادرة على إنتاج بعض أدوات القوة والردع خارج النظام الذي كانت إسرائيل والولايات المتحدة اللاعبَين الأكثر تأثيراً فيه، وبالتالي فإن الرسالة الحقيقية للاتفاق يمكن تلخيصها بثلاثة مستويات: تحذير لايران من أن ضرب السعودية لن يبقى بلا كلفة إقليمية، رسالة لامريكا بأن السعودية لن تعتمد على مصدر واحد للأمن، وتنبيه لاسرائيل على المدى البعيد، بان احتكارها النسبي للتفوق الأمني والسياسي في الإقليم لن يبقى مضموناً إذا نجحت القوى الإقليمية في بناء منظومة ردع مستقلة.


وفي تقديرنا ان أخطر سيناريو بالنسبة لإسرائيل ليس أن يتحول اتفاق مكة إلى تحالف معادٍ لها، بل أن ينجح في إنتاج تكامل عسكري واستخباري وصناعي، ثم توسع جغرافياً، فاتفاق مكة بالخلاصة موجه إلى إيران بالاسم غير المعلن، لكنه موجه إلى إسرائيل بالنتيجة الاستراتيجية المحتملة، فايران تواجه ارتفاع كلفة الحرب، وإسرائيل تواجه احتمال ظهور شرق أوسط أكثر استقلالاً في إنتاج توازناته الأمنية.



مواضيع قد تهمك