حسن الدعجة : العقبة.. لماذا أصبحت في صدارة الحسابات الإستراتيجية؟
أعادت التطورات الأمنية الأخيرة في مدينة العقبة تسليط الضوء على التحول الذي تشهده طبيعة الصراعات في الشرق الأوسط، حيث لم تعد المواجهات العسكرية تقتصر على ساحات القتال التقليدية، بل امتدت لتشمل الممرات البحرية، والمراكز اللوجستية، والعقد الاقتصادية ذات الأهمية الإستراتيجية. وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى العقبة باعتبارها مجرد مدينة ساحلية أو منفذا بحريا للأردن، وإنما بوصفها إحدى النقاط الجيوسياسية المؤثرة في معادلة الأمن الإقليمي، الأمر الذي يفسر الاهتمام المتزايد بها في ظل التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة.
وتشير المعطيات الأولية إلى أن منطقة العقبة كانت ضمن نطاق التهديد خلال الهجمات الإيرانية الأخيرة، وهو ما يطرح تساؤلات تتجاوز البعد العسكري المباشر إلى أبعاد سياسية وإستراتيجية أوسع. فاختيار منطقة تتمتع بهذه الأهمية الاقتصادية والجغرافية لا يحمل دلالات تكتيكية فحسب، بل يبعث برسائل تتعلق بإعادة رسم حدود الردع، وتوسيع نطاق الضغوط السياسية، وإظهار القدرة على الوصول إلى مواقع ذات قيمة استراتيجية عالية. وفي هذا السياق، يبرز تساؤل مهم: لماذا يجري توجيه التهديد نحو العقبة، في حين توجد أهداف عسكرية أميركية في المنطقة على مسافات أقرب؟ أحد التفسيرات المحتملة هو أن طهران تسعى إلى تجنب استهداف مباشر قد يؤدي إلى رد أميركي واسع يرفع مستوى التصعيد ويضاعف وتيرة الضربات ضد أهداف إيرانية، وفي الوقت ذاته توجيه رسائل ضغط غير مباشرة عبر استهداف مناطق ذات أهمية اقتصادية واستراتيجية، بما يحقق تأثيرًا سياسيًا وإعلاميًا واقتصاديًا دون تجاوز العتبة التي قد تفضي إلى مواجهة عسكرية أكثر اتساعًا.
وتكتسب العقبة أهميتها من موقعها الفريد عند ملتقى المشرق العربي والبحر الأحمر، فهي المنفذ البحري الوحيد للأردن، وتشكل حلقة وصل رئيسية بين التجارة البرية والبحرية، كما ترتبط بشبكات النقل الإقليمية وسلاسل الإمداد التي تخدم الاقتصاد الأردني وعددًا من دول الجوار. ومن هذا المنطلق، فإن أي تهديد يطال هذه المدينة لا يقتصر أثره على الجانب الأمني، بل يمتد إلى حركة التجارة والاستثمار والنقل البحري والتأمين والشحن، وهي عناصر أصبحت جزءا لا يتجزأ من مفهوم الأمن القومي الحديث.
كما أن الموقع الجغرافي للعقبة يمنحها بعدًا استراتيجيا إضافيًا، فهي تقع في منطقة شديدة الحساسية جيوسياسيًا، حيث تتقاطع المصالح الإقليمية والدولية في نطاق جغرافي محدود. ولذلك فإن أي تصعيد عسكري بالقرب منها ينعكس بصورة مباشرة على أمن الملاحة في شمال البحر الأحمر، ويثير مخاوف الأسواق وشركات النقل البحري، خصوصًا في ظل استمرار الاضطرابات في عدد من الممرات البحرية الإقليمية.
ومن منظور إستراتيجي، يبدو أن الرسالة الأساسية من توسيع نطاق العمليات نحو مناطق ذات أهمية اقتصادية تتمثل في رفع كلفة الصراع على جميع الأطراف، بحيث لا تقتصر آثاره على الميدان العسكري، وإنما تمتد إلى الاقتصاد والبنية اللوجستية وحركة التجارة. ويعد هذا النهج من السمات البارزة للصراعات الحديثة، التي أصبحت تستهدف مراكز الثقل الاقتصادي بقدر اهتمامها بالأهداف العسكرية التقليدية، انطلاقًا من أن الضغط الاقتصادي قد يكون في بعض الأحيان أكثر تأثيرًا من المواجهة العسكرية المباشرة.
وفي الوقت ذاته، فإن استهداف أو تهديد منطقة مثل العقبة يحمل بعدا نفسيًا لا يقل أهمية عن البعد العسكري، إذ يسعى إلى إحداث حالة من القلق لدى المستثمرين وشركات النقل والتأمين، وإثارة التساؤلات حول أمن الممرات البحرية. وقد أثبتت تجارب السنوات الأخيرة أن مجرد ارتفاع مستوى المخاطر في الموانئ الإستراتيجية يؤدي إلى زيادة تكاليف التأمين والشحن، حتى في حال عدم وقوع أضرار مادية مباشرة، وهو ما ينعكس في النهاية على حركة التجارة والاقتصاد.
ومع ذلك، فإن قراءة هذه التطورات ينبغي أن تتم بعيدًا عن التفسيرات المتسرعة أو الأحكام القطعية، إذ ما تزال التفاصيل الفنية المتعلقة بطبيعة الأهداف النهائية ومسارات المقذوفات قيد التحقق. ومن ثم فإن التحليل الإستراتيجي يقتضي التركيز على الدلالات العامة للحدث أكثر من الانطلاق من فرضيات غير مثبتة. فالثابت حتى الآن هو أن منطقة العقبة أصبحت جزءا من بيئة أمنية إقليمية أكثر تعقيدًا، وأن الحفاظ على أمنها لم يعد يرتبط بالأمن الوطني الأردني وحده، بل يرتبط أيضا باستقرار البحر الأحمر وحماية خطوط التجارة الدولية.
وفي هذا الإطار، برز الموقف الأردني بوصفه موقفا يستند إلى مبادئ القانون الدولي واحترام السيادة الوطنية، حيث أكد الأردن رفضه لأن تكون أراضيه أو أجواؤه ساحة لتصفية الصراعات الإقليمية، وشدد على أن حماية المواطنين وصون السيادة الوطنية تمثلان أولوية لا تقبل المساومة. ويعكس هذا النهج سياسة أردنية ثابتة تقوم على تجنب الانخراط في الاستقطابات الإقليمية، مع التمسك بحق الدولة في اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية أراضيها وأمنها الوطني.
كما تكشف هذه التطورات عن تحول أوسع في طبيعة الأمن الإقليمي، إذ لم تعد الحدود السياسية وحدها كافية لتحديد مسرح العمليات، بل أصبحت المدن الاقتصادية والموانئ والممرات البحرية عناصر أساسية في معادلة الردع والتوازنات الاستراتيجية. ومن ثم، فإن أي تهديد لهذه المراكز يرفع كلفة التأمين البحري ورسوم الشحن والنقل، ويؤدي إلى زيادة أسعار الواردات وتأخير وصول السلع الأساسية. وتنتقل هذه الأعباء تدريجيًا إلى المستهلك عبر ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والمواد الأولية، بما يضغط على القوة الشرائية ومستوى معيشة المواطنين. لذلك تتطلب حماية هذه المراكز منظومة متكاملة تجمع بين القدرات الدفاعية، والجاهزية اللوجستية، والتنسيق الدبلوماسي، والتعاون الإقليمي لضمان أمن الملاحة واستقرار سلاسل الإمداد.
إن ما شهدته العقبة لا ينبغي النظر إليه بوصفه حادثًا أمنيًا منفصلًا، بل باعتباره مؤشرًا على مرحلة جديدة من الصراعات الإقليمية، تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية مع الاقتصادية والسياسية. ومن المرجح أن يستمر هذا النمط من الضغوط طالما بقيت المنطقة تشهد مستويات مرتفعة من التوتر. لذلك فإن المحافظة على استقرار الأردن، وتأمين ممراته الاقتصادية، وتعزيز العمل الدبلوماسي الهادف إلى احتواء الأزمات، ستظل من أهم الركائز التي تسهم في حماية الأمن الوطني، وتدعم في الوقت نفسه أمن واستقرار الإقليم بأسره.
*أستاذ الدراسات الإستراتيجية بجامعة الحسين بن طلال
ــ الغد