اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. عدلي قندح : آندي بيرنهام .. هل يستطيع رجل مانشستر أن يعيد كتابة قصة بريطانيا بعد البريكست؟

د. عدلي قندح : آندي بيرنهام .. هل يستطيع رجل مانشستر أن يعيد كتابة قصة بريطانيا بعد البريكست؟
أخبارنا :  

في لحظات التحول الكبرى في تاريخ الدول، لا يكون السؤال الحقيقي: من وصل إلى السلطة؟ بل: ما الذي جعل وصوله ممكناً؟


وعندما دخل آندي بيرنهام مقر الحكومة البريطانية في 10 داونينغ ستريت، بعد تكليفه من الملك تشارلز الثالث بتشكيل الحكومة خلفاً للسير كير ستارمر، لم يكن الحدث مجرد انتقال دستوري معتاد في دولة عريقة، بل كان تعبيراً عن لحظة سياسية واقتصادية تبحث فيها بريطانيا عن إجابة لسؤال ظل يلاحقها منذ سنوات:


هل تستطيع المملكة المتحدة أن تعيد اختراع نموذجها الاقتصادي بعد البريكست؟


فخلال عقد واحد فقط، تعاقب على قيادة بريطانيا سبعة رؤساء حكومات، وهي ظاهرة غير مألوفة في نظام سياسي طالما عُرف بالاستقرار. لكن سرعة تغير القيادات لم تكن المشكلة بحد ذاتها، بل كانت انعكاساً لأزمة أعمق: اقتصاد فقد جزءاً من زخمه، ومجتمع يشعر بأن ثمار النمو لم تصل بالتساوي إلى جميع مناطقه، ودولة تحاول تحديد موقعها الجديد بين أوروبا والعالم.


في هذه اللحظة تحديداً، يأتي آندي بيرنهام بشخصية مختلفة عن معظم من سبقوه. فهو لا يأتي فقط من قاعات البرلمان، بل من تجربة إدارة مدينة ومنطقة اقتصادية كبرى خارج مركز القوة التقليدي في لندن.


وربما تكمن أهمية وصوله في أنه يحمل معه فكرة سياسية بسيطة لكنها عميقة:

إن مشكلة بريطانيا ليست نقص الثروة، بل سوء توزيع فرص إنتاجها.

رجل مانشستر الذي يريد تغيير طريقة حكم بريطانيا


ينتمي آندي بيرنهام إلى حزب العمال البريطاني، وهو سياسي مخضرم انتُخب عضواً في البرلمان منذ عام 2001، وشغل عدداً من المناصب الوزارية، كان أبرزها وزارة الصحة.

لكن المرحلة التي صنعت صورته السياسية لم تكن في وستمنستر، بل في مانشستر الكبرى، عندما انتُخب عام 2017 عمدة للمنطقة.


هناك انتقل من دور السياسي الذي يشرح السياسات إلى السياسي الذي ينفذها.


مانشستر الكبرى ليست مجرد مدينة، بل أحد أهم الأقاليم الاقتصادية البريطانية. فهي تضم نحو 2.9 مليون نسمة، وتمثل مركزاً اقتصادياً وصناعياً وخدمياً مهماً خارج لندن، باقتصاد يقدر بأكثر من 80 مليار جنيه إسترليني سنوياً.


خلال فترة قيادته، ركز بيرنهام على قضايا تبدو محلية، لكنها تحمل مضموناً وطنياً:


•تطوير النقل العام.

•توسيع صلاحيات الحكم المحلي.

•دعم الإسكان.

•تحسين التنسيق بين الصحة والخدمات الاجتماعية.

•جذب الاستثمار خارج العاصمة.


ومن هنا نشأت فلسفته الأساسية: أن بريطانيا بالغت في تركيز السلطة الاقتصادية والسياسية في لندن، وأن استعادة النمو تتطلب إطلاق طاقات المدن والأقاليم.

فمدينة لندن، رغم أن سكانها يمثلون نحو 14% من سكان المملكة المتحدة، تساهم بأكثر من 22% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما ما تزال مناطق واسعة في شمال إنجلترا تعاني فجوات كبيرة في الإنتاجية والدخل.


ويرى بيرنهام أن معالجة هذا الخلل ليست قضية عدالة اجتماعية فقط، بل قضية نمو اقتصادي.


بريطانيا... اقتصاد قوي فقد سرعته

عندما تسلم بيرنهام السلطة، لم يرث اقتصاداً منهاراً، بل اقتصاداً يعاني من مشكلة أكثر تعقيداً: اقتصاد قوي لكنه بطيء الحركة.

فبريطانيا ما تزال تمتلك عناصر قوة هائلة:

أحد أكبر المراكز المالية في العالم.

جامعات من الصف الأول عالمياً.

قطاعاً تكنولوجياً متقدماً.

قدرة عالية على الابتكار.

عملة ذات أهمية دولية.



لكن هذه القوة تخفي وراءها تحديات هيكلية تراكمت خلال أكثر من عقد:

ضعف نمو الإنتاجية.

انخفاض الاستثمار طويل الأجل.

ارتفاع الدين العام.

أزمة الإسكان.

الضغوط على الخدمات الصحية.

آثار البريكست على التجارة والاستثمار.


ويمكن تلخيص الصورة الاقتصادية في الجدول التالي:



المؤشر 2016 2026 تقريبًا الدلالة


النمو الحقيقي نحو 2% نحو 1 - 1 .5% تراجع القدرة على التوسع


الدين العام/الناتج نحو 84% 95–100% تقلص هامش المناورة المالية


التضخم 0.6% نحو 3% ضغط على القوة الشرائية


سعر الفائدة الأساسي 0.25% نحو 4% ارتفاع تكلفة الاقتراض


البطالة 4.9% 4–5% سوق عمل قوي مع نقص مهارات


حصة الاتحاد الأوروبي من التجارة 45–50% نحو 40% أوروبا ما تزال الشريك الأكبر


نمو الإنتاجية 1.5–2% قبل 2008 أقل من 1% بعد 2008 جوهر المشكلة الاقتصادية



هذه الأرقام تكشف حقيقة مهمة: بريطانيا لا تحتاج إلى إنقاذ اقتصادي، بل تحتاج إلى إعادة إطلاق محركات النمو.


معركة الإنتاجية... الكلمة المفتاحية لعهد بيرنهام


قد يكون أكبر تحد اقتصادي أمام الحكومة الجديدة هو الإنتاجية.


فالدول لا تصبح أكثر ثراء فقط عندما يعمل الناس ساعات أطول، بل عندما ينتجون قيمة أكبر في كل ساعة عمل.

وهنا تواجه بريطانيا ما يسمى اقتصادياً بـ"لغز الإنتاجية البريطاني".


فمنذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، تباطأ نمو الإنتاجية بشكل كبير، وأصبحت بريطانيا أقل أداءً من الولايات المتحدة وألمانيا في تحويل المعرفة والاستثمار إلى نمو.

ولهذا فإن نجاح بيرنهام لن يقاس بعدد المنازل التي تُبنى أو الأموال التي تُنفق فقط، بل بقدرته على رفع قدرة الاقتصاد على الإنتاج.

والطريق معروف:


الاستثمار في التكنولوجيا.

تطوير التعليم المهني.

دعم البحث والتطوير.

ربط الجامعات بالصناعة.

تعزيز الذكاء الاصطناعي والصناعات المتقدمة.

لكن التحدي دائماً ليس في معرفة الحلول، بل في تنفيذها.


اللامركزية... مشروع بيرنهام الاقتصادي الحقيقي

قد تكون الفكرة الأكثر تميزاً لدى بيرنهام هي أن بريطانيا تحتاج إلى تغيير طريقة اتخاذ القرار الاقتصادي.

فالنموذج البريطاني ظل تاريخياً شديد المركزية، حيث تتركز القرارات الكبرى في الحكومة المركزية.


أما بيرنهام فيعتقد أن المدن يجب ألا تكون مجرد متلقٍ للسياسات، بل شريكاً في صناعتها.


وهذا يجعله أقرب إلى تجارب دول مثل ألمانيا وكندا، حيث تلعب الأقاليم دوراً أكبر في التنمية والاستثمار.

لكن اللامركزية ليست وصفة سحرية.

فنجاحها يحتاج إلى:


•مؤسسات محلية قوية.

•قدرات إدارية عالية.

•موارد مالية مستقرة.

•مساءلة واضحة.


وإلا فإن نقل الصلاحيات قد يعني فقط نقل المشكلات من لندن إلى المدن.


البريكست... الاقتراب من أوروبا دون العودة إليها


سيكون ملف العلاقة مع الاتحاد الأوروبي أحد أكثر الملفات حساسية في عهد بيرنهام.


فهو لم يكن من مؤيدي الخروج من الاتحاد الأوروبي، لكنه يدرك أن العودة الكاملة أصبحت معركة سياسية معقدة.

فالعضوية تعني إعادة فتح ملفات مثل:


حرية حركة الأشخاص.

القواعد التنظيمية الأوروبية.

السياسة التجارية.


ولهذا فإن السيناريو الأكثر واقعية ليس إلغاء البريكست، بل إعادة صياغته.

أي:


تقارب اقتصادي أكبر مع أوروبا دون عودة سياسية كاملة.

قد نشهد:


تسهيل التجارة.

تعاوناً أكبر في البحث العلمي.

شراكة في الطاقة والدفاع.

تقليل الاحتكاكات أمام الشركات.


فالبريكست أصبح حقيقة سياسية، لكن آثاره الاقتصادية ما تزال قابلة لإعادة التفاوض.


الأسواق المالية... الحكم الصامت على الحكومة


ستواجه حكومة بيرنهام اختباراً لا يقل أهمية عن الانتخابات: اختبار الأسواق.

فالمستثمرون سيراقبون سؤالاً واحداً:


هل يمثل مشروع بيرنهام استثماراً في مستقبل بريطانيا، أم توسعاً مالياً غير مستدام؟

فالمالية العامة مقيدة:

الدين العام يقترب من 100% من الناتج.

تكلفة خدمة الدين ارتفعت.

النمو المحتمل منخفض.


وتبقى تجربة حكومة ليز تراس عام 2022 مثالاً واضحاً على قوة الأسواق، عندما أدى الإعلان عن سياسات مالية غير ممولة إلى اضطراب سوق السندات وتراجع الجنيه الإسترليني.

لذلك فإن معادلة بيرنهام ستكون:


الإنفاق نعم... لكن الإنفاق الذي يخلق نمواً.


فريق بيرنهام... هل يملك أدوات التحول؟


لن يستطيع رئيس الوزراء تغيير بريطانيا بمفرده. فاختياراته الوزارية ستكشف طبيعة المشروع الحقيقي لحكومته.


ستكون وزارة الخزانة أهم حقيبة، لأنها ستحدد التوازن بين الطموح الاجتماعي والانضباط المالي.


أما وزارة الصحة فستكون مقياساً لشعبيته، لأن هيئة الصحة الوطنية البريطانية NHS، التي يتجاوز إنفاقها 200 مليار جنيه إسترليني سنوياً، تواجه ضغوطاً كبيرة من قوائم الانتظار ونقص الكوادر وشيخوخة السكان.


وفي السياسة الخارجية، سيحتاج إلى قيادة بريطانيا في عالم مضطرب، مع الحفاظ على التحالف الأميركي وإعادة بناء العلاقة مع أوروبا.

أما وزارة الأعمال والطاقة فستكون قلب مشروعه الاقتصادي، لأنها ستحدد قدرة بريطانيا على بناء اقتصاد جديد قائم على التكنولوجيا والطاقة النظيفة والصناعات المتقدمة.


المائة يوم الأولى... بداية الحكم الحقيقي

سيُقاس بيرنهام منذ الأيام الأولى بقدرته على الإجابة عن أسئلة صعبة:

هل يستطيع رفع النمو؟

هل يستطيع بناء مساكن كافية؟

هل يستطيع إصلاح الخدمات الصحية؟

هل يستطيع تقليص الفجوة بين لندن والأقاليم؟

هل يستطيع إعادة بناء العلاقة الاقتصادية مع أوروبا؟

هذه ليست ملفات منفصلة، بل أجزاء من سؤال واحد:

هل تستطيع الدولة البريطانية أن تعود إلى النمو؟


الخاتمة: رجل مانشستر أمام امتحان بريطانيا التاريخي


يمتلك آندي بيرنهام ميزة سياسية نادرة: قصة يمكن للمواطن العادي فهمها.


فهو ليس ابن النخبة المركزية في لندن، بل سياسي جاء من منطقة شعرت طويلاً بأنها خارج دائرة الاهتمام.

لكن التاريخ لا يحكم على القادة بالقصص الجميلة، بل بالنتائج.

سيكون نجاحه مرتبطاً بثلاثة مؤشرات:

1.رفع النمو الاقتصادي إلى مستويات أعلى من المسار الحالي.

2.تقليص فجوة الإنتاجية بين لندن وبقية البلاد.

3.تحسين الخدمات العامة دون فقدان ثقة الأسواق.


إذا نجح، فقد يُذكر باعتباره الرجل الذي نقل بريطانيا من مرحلة ما بعد البريكست إلى مرحلة جديدة من إعادة البناء.

أما إذا فشل، فسيدخل قائمة القادة الذين عرفوا المشكلة جيداً، لكنهم لم يستطيعوا تغيير المعادلة.

ويبقى السؤال الذي سيحدد إرث آندي بيرنهام:


هل يستطيع رجل مانشستر أن يعيد كتابة قصة بريطانيا بعد البريكست؟





مواضيع قد تهمك