مدينة الحضارات المنسية في شمال المملكة
سيرين زيود
في قلب لواء بني كنانة، وعلى بعد نحو 13 كيلومتراً شمال شرقي مدينة إربد، وهي مدينة رومانية ، لكنها للأسف مهملة بشكل كامل فلا توجد لوحات إرشادية ولا ترتيب للمدينة كحال أم قيس مثلاً .
تقع بلدة قويلبة التي تحتضن واحدة من أهم المدن الأثرية في الأردن، وهي مدينة أبيلا، إحدى مدن حلف الديكابولس (المدن العشر) التي ازدهرت في العصرين اليوناني والروماني، وما تزال آثارها شاهدة على آلاف السنين من التاريخ والحضارة.
ورغم ما تمتلكه أبيلا من قيمة أثرية كبيرة، فإنها لا تزال من أقل المواقع الأثرية شهرة على المستوى السياحي، مقارنةً بمدن تاريخية أخرى مثل أم قيس وجرش، على الرغم من أن تاريخها يمتد إلى أكثر من ستة آلاف عام، واستمرت فيها الحياة البشرية حتى العصر المملوكي، ما يجعلها من أطول المواقع الأثرية استيطاناً في الأردن.
وتقع المدينة وسط طبيعة خلابة تتخللها الأودية والينابيع والأراضي الزراعية، وهو ما ساعد على ازدهارها منذ العصور القديمة. فقد شكّل الموقع نقطة استراتيجية مهمة تربط شمال الأردن بوادي اليرموك وبلاد الشام، الأمر الذي جعلها مركزاً تجارياً واقتصادياً بارزاً، وأسهم في انضمامها إلى مدن الديكابولس التي عُرفت بازدهارها العمراني والثقافي.
وتضم أبيلا مجموعة كبيرة من المعالم الأثرية التي تعكس تطور المدينة عبر العصور، من أبرزها الكنائس البيزنطية المزينة بالفسيفساء، والشارع الروماني، وبقايا الحمامات العامة، والمدافن المنحوتة في الصخر، إلى جانب شبكة هندسية متطورة لجمع المياه ونقلها عبر قنوات وأنفاق تحت الأرض امتدت لعدة كيلومترات، وهو إنجاز هندسي متقدم يعكس مستوى التطور الذي بلغته المدينة في ذلك الوقت.
كما كشفت أعمال التنقيب الأثري المستمرة عن مبانٍ سكنية ومنشآت عامة وأرضيات فسيفسائية ولقى أثرية متنوعة تعود إلى الفترات الهلنستية والرومانية والبيزنطية والإسلامية، مما يؤكد أن المدينة شهدت استيطاناً متواصلاً عبر قرون طويلة، وأنها كانت مركزاً حضارياً ودينياً مهماً في شمال الأردن.
ورغم هذه الأهمية التاريخية، ما يزال الموقع بحاجة إلى مزيد من الاهتمام من حيث البنية التحتية السياحية، وتوفير اللوحات الإرشادية، وتأهيل مسارات للزوار، والترويج له ضمن البرامج السياحية الوطنية، بما يسهم في زيادة أعداد الزائرين وتحويله إلى وجهة ثقافية وسياحية بارزة في شمال الأردن.
وتبقى قويلبة (أبيلا) أكثر من مجرد موقع أثري؛ فهي سجل مفتوح يحكي قصة حضارات تعاقبت على أرض الأردن، وشاهد حي على عراقة محافظة إربد وغناها التاريخي. إن الحفاظ على هذا الإرث والتعريف به واجب وطني وثقافي يضمن بقاء ذاكرة المكان حية، ويمنح الأجيال القادمة فرصة لاكتشاف جانب مهم من تاريخ وطنهم.