اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. خالد الحريرات البطوش : إنصاف منتخبنا الوطني

د. خالد الحريرات البطوش : إنصاف منتخبنا الوطني
أخبارنا :  

الفوز والخسارة في المنافسات احتمالات ذات طبيعة بنيوية في منظومة الألعاب الرياضية، وهي التي تذكي شعلة الحماسة وتلهب مشاعر المشاركين، فالمباراة حين تبدأ تدفع بالجمهور ليقف على حافة لحظة تتوارى خلفها نتيجة مجهولة يصنعها اللاعبون أمام ناظريهم، ولعل هذا الاشتباك العاطفي مع الاحتمالات المتباينة حدّ التناقض هو الذي يخلق كل ذلك الانفعال لدى اللاعبين ولدى المشجعين، وهنا تكمن وظيفة الرياضة كنشاط اجتماعي يهدف الى تصريف الطاقة الفائضة بالحركات العضوية الارادية للاعبين داخل الملعب، وبانفعالات المتابعين من الجمهور المرتبطة ذهنيا بما يجري في ذلك المستطيل الصغير، ومع تلك الصلة النفسية بالفريق الرياضي، لا يجوز ان يكون التشجيع مشروطا بالفوز، فالخسارة تبقى احتمالا قائما، والاّ تغدو المنافسة بلا معنى.

مع المنتخب الأردني لكرة القدم نقف مشجعين ومساندين في الخسارة كما في الفوز، وفي اوقات التراجع كما في محطات الصعود، فالمنتخب رمز وطني ومؤازرته لا تخضع لحدود أو قيود، والحالة التي يكشف عنها الالتفاف حول هذا الفريق تمثل وفاقا وطنيا لا يقبل الشك، ويقدم واحدة من المساحات التي يلتقي فيها الاردنيون مهما اختلفت اصولهم او اعتقاداتهم ومهما تباينت اراؤهم، وهنا تقدم الرياضة مثالا نموذجيا للاجماع الوطني يصلح ملاذا نسترشد به ونراكم عليه عندما تنقسم الاراء ويستعصي الاتفاق في غير ذلك من القضايا الوطنية.

من الناحية الفنية، شارك منتخبنا في بطولة كاس العالم لكرة القدم هذا العام عن جدارة واستحقاق، وبالرغم من انه لم يجتاز دور المجموعات في هذا المونديال، الا ان وصوله الى هذا المستوى لم يكن صدفة، وانما كان حصيلة جهود مضنية بعد خوض منافسات ليست سهلة تأهل من خلالها لتقديم قارة آسيا والمدرسة الكروية التي تمثلها في تظاهرة رياضية من حجم كأس العالم لكرة القدم، وبعد ذلك يمكن تفهم الخسارة وتقبل النتيجة في سياق منافسة من هذا الحجم يخوضها النشامى لأول مرة، وكل مطالبة تتجاوز هذه الحقائق تبني الانتقادات على طوباوية رياضية نصيبها من الواقعية قليل.

رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة، والمشاركة الأردنية في كاس العالم بداية واعدة وضعت المنتخب الوطني على سكة الكرة العالمية، وكسرت رهبة لقاء المنتخبات المتمرسة في البطولة، كما فتحت شهية الأردنيين على تمثيل متكرر في المونديال العالمي، وربما كانت رياضة كرة القدم الأردنية في أمس الحاجة الى احتكاك من هذا المستوى، فاللاعبون والطاقم الفني والإداري تعلموا الكثير من هذه المشاركة، وحتما ستنعكس هذه الخبرة على المواجهات التالية في بطولات اسيا والعالم العربي، كما ستترك اثرها على الجيل القادم والنخب الرياضية، والمنتخب الذي حقق نجاحا في كل تلك الانجازات الرياضية وحفر اسم بلاده في هذا المونديال، لا يضيره عدم التأهل للدور التالي ومغادرة البطولة من هذا الدور.

وعلينا ان نتذكر ان ما فعله المنتخب الأردني يتجاوز المشاركة الرياضية الى تقديم حضاري للأردن كجغرافيا وتاريخ، فرفع العلم الاردني في هذا المحفل الرياضي يحمل دلالات عميقة على مستوى السيادة والحضور الدولي، وخلال ذلك حظي الاردن بانتشار اعلامي تسرب الى الوعي العالمي بسلاسة وبقوة ناعمة، فقد ازدحمت محركات البحث الالكتروني اثناء هذه البطولة باستكشاف المملكة وحضارتها وثقافة شعبها، وعلى وقع تحليق وارتطام الكرة التي يعشقها العالم ويتابعها كل سكان الأرض نجحت هذه المشاركة في تقديم صورة مشرقة وزاهية للأردن في أضخم بطولة رياضية، وهذا بحد ذاته انجاز كبير له ما بعده.


مواضيع قد تهمك