سامح المحاريق : الوجه الآخر لولي العهد.. في النمط القيادي والإداري
شهدت السنوات التي أعقبت إنهاء ولي العهد الحسين بن عبد الله الثاني دراسته الجامعية ظهورًا مكثفًا في المجال العام وتواجدًا واسعًا بين مختلف أطياف الأردنيين على المستويين الجغرافي والاجتماعي، ولكن هذه الصورة لا تقدم كل شيء عن الأمير لأنها تشكل شخصيته الشعبية، والتي عادة ما تتصف بحالة متبادلة من الارتياح والانفتاح مع المواطنين البسطاء، وتفسر جانبًا من حضوره في الوعي العام، لكنها لا تعكس بالضرورة الطريقة التي يدير بها الملفات أو يتعامل بها مع الأفكار والمبادرات.
الصورة الأخرى التي لا يعرفها المواطن مرتبطة بالنمط القيادي والإداري للأمير، وهي التي يتناولها الكثيرون في بيئة العمل العام ممن يحظون بفرصة الحضور والتعامل مع سموه في مشروعات تتطلب رؤيته ودعمه، وخاصة في مجال العمل التنموي بعيد المدى. في هذه البيئة يغيب الطابع الاحتفالي الذي يرافق الظهور العام، لتحل محله عقلية تركز على التفاصيل، وتربط بين الرؤية والتنفيذ، وتتعامل مع الزمن بوصفه عنصرًا من عناصر الإنجاز لا مجرد إطار زمني للمشروع.
الأمير الذي يهرع لمقابلته المواطنون في مناسبات عفوية كثيرة يعتبر شخصًا يجب التحضير مطولًا قبل لقائه، فهو يعمل على التحضير من جانبه ومن خلال مكتبه، والأمير المهذب الذي لا يُظهر سوى ابتسامة هادئة في لقاءاته يستغرق في حوار داخلي حول القيمة المضافة للحوار، وتقييم الفكرة من خلال الأسئلة التي يطرحها على المحاورين والمبادرين والشركاء. وكثيرًا ما تقود هذه الأسئلة إلى إعادة صياغة المقترحات أو اختبار فرضياتها العملية قبل الانتقال إلى مرحلة التنفيذ، إذ لا تبدو الأفكار في نظره مكتملة لمجرد سلامة عرضها، وإنما بقدرتها على الصمود أمام النقاش والإجابة عن الأسئلة المرتبطة بالأثر والجدوى والاستدامة.
يتحمس الأمير للتكنولوجيا، ولكنه يربطها بقدرتها على توليد فرص العمل للشباب الأردني، ولذلك يعطي الأولوية لإنترنت الأشياء التي تتطلب عمليات تصنيعية مصاحبة للتقنية، بما يؤسس لبنية تشغيلية كثيفة العمالة وليس مجرد العمل على الجانب الخدمي للبرمجيات. وينخرط الأمير مؤخرًا في مجموعة من المبادرات والمشاريع المرتبطة بالتسليح، خاصة بعد المتابعة الحثيثة لمجريات الحروب في المنطقة والعالم والتحولات الرئيسية في مجالي الدفاع والأمن. واللجوء إلى هذه القطاعات يستهدف توطين المعرفة الصناعية ونقل التكنولوجيا المرتبطة بالتصنيع أكثر من التركيز على الخدمات، انطلاقًا من أن الصناعات الدفاعية كثيرًا ما تقود إلى تطوير منظومات تقنية تمتد آثارها إلى قطاعات مدنية وصناعية أخرى.
ويبدو واضحًا في هذا السياق اهتمامه بربط الجامعات ومراكز البحث العلمي بالقطاع الصناعي، وتشجيع المبادرات التي تحول المعرفة التقنية إلى منتجات قابلة للتصنيع والتصدير، بما يوسع القاعدة الإنتاجية ويمنح الشباب فرصًا للعمل في قطاعات ذات قيمة مضافة مرتفعة.
يفضل الأمير أن تبدأ المبادرات والمشاريع مهما كانت التحديات الماثلة في الأفق، لأن البداية عادة ما تحمل جانبًا من الإلزام وتتيح الدخول في التحسين والتطوير بدلًا من البقاء في مساحة التنظير الآمن. وهو يتعامل مع الخطأ الذي يقع أثناء التنفيذ باعتباره أقل كلفة من التردد الذي يمنع الانطلاق أصلًا، شريطة أن يكون التعلم من التجربة جزءًا من عملية العمل نفسها.
وهذه النمطية القيادية تشكل ضغطًا على الذين يعملون مع الأمير، لأنه لا يمنحهم هامشًا واسعًا للاستهلاك غير المنتج للوقت، كما لا يميل إلى الاجتماعات المطولة التي لا تنتهي إلى قرارات واضحة أو مسؤوليات محددة، ويفضل أن تقترن كل فكرة بخطة تنفيذية وجدول زمني ومؤشرات يمكن قياسها ومراجعتها بصورة دورية.
يريد الأمير أن يتعامل مع الواقع الذي يمكن قياسه وصياغة مواقف منه والتمركز في موقع مناسب استراتيجي تجاهه، وهو ما لا يمكن أن ينجز أمام مشروع لا يعدو مجرد فكرة على الورق، ولذلك فالالتقاء مع الأمير يتطلب الكثير من التحضير ومن السيناريوهات، وهو ما يجب أن يكون حاضرًا لدى من يتعاملون معه بوصفه قائدًا حيث لا مجال للعفوية ولكن للجرأة المدروسة والشجاعة المنتجة.