اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

اسماعيل الشريف : الدرس الذي لم يفهمه الغرب بعد

اسماعيل الشريف : الدرس الذي لم يفهمه الغرب بعد
أخبارنا :  

«لست مهزومًا ما دمت تقاوم» مهدي عامل - مفكر لبناني.

في شهر شباط 2006، سألت صحيفة واشنطن بوست الشهيد إسماعيل هنيّة رئيس وزراء فلسطين آنذاك عمّا إذا كانت حركة حماس ستعترف بـ»إسرائيل»، أجاب قائلاً:

«على إسرائيل أولًا أن تعترف بحقوق الشعب الفلسطيني، ثم سيكون لنا موقف واضح من هذا».

كما وصلت رسالة إلى الرئيس الأميركي جورج بوش، نقلها أحد الوسطاء باسم إسماعيل هنيّة، جاء فيها: إن الحركة لا تمانع في إقامة دولة فلسطينية ضمن حدود عام 1967. وقد حثّ هنيّة الرئيس بوش على رفع العقوبات المفروضة على غزة، مشيرًا إلى أن استمرار تلك العقوبات سيقود إلى مزيد من العنف وانعدام الاستقرار.

لكن الرئيس بوش لم يرد على رسالة هنيّة، واستمرّت «إسرائيل» في عدوانها المتكرر على قطاع غزة، وواصلت فرض حصار خانقٍ عليه، مانعةً وصول المعدات الطبية والأدوية إلى القطاع، إلى أن انتهى الأمر بارتكابها أكبر إبادة جماعية في التاريخ الحديث، بدعمٍ سافر من الغرب. وعلى الدوام، حملت الولايات المتحدة مسؤولية المجازر الصهيونية لحركة حماس، متجاهلةً الحقيقة الجوهرية لما يجري على الأرض.

وبعد اكثر من عقد من قصة هنية أصدرت حركة حماس برنامجها السياسي، ولم يتطرّق البرنامج حينها إلى مسألة فلسطين التاريخية.

على مدى قرن، ظلّ الأوروبيون ثم الولايات المتحدة يطلقون الخطط ومبادرات السلام نيابةً عن الشعب الفلسطيني، دون أي دور أو مشاركة حقيقية له. ولم تكن خطة ترامب استثناءً، فهي لا تختلف إطلاقًا عن جميع المبادرات الفاشلة التي سبقتها. وقد أُطلقت الخطة، لكن الأوضاع سرعان ما عادت إلى ما كانت عليه قبل السابع من أكتوبر؛ إذ تتقدّم في الخطاب فقط، بينما على الأرض يواصل الكيان انتهاك الهدنة والقتل والتدمير، ويشنّ القصف الجوي والبري على مناطق مختلفة في غزة، مخلفًا عشرات الشهداء يوميًا. وفي الضفة الغربية تتصاعد الانتهاكات اليومية، من قتلٍ على الحواجز، واعتقالات، وضمّ أراضٍ، وسرقةِ محاصيل، وتوسّعٍ مستمر في بناء المستوطنات.

لا يعترف الغرب أبدًا بحقّ الفلسطينيين في مقاومة الاحتلال، ولا يعترف الصهاينة بأن الفلسطينيين قد صمدوا صمودًا أسطوريًا في وجه الإبادة. بل يتبجّحون بأنهم هزموا حماس، ويهددون بنزع سلاحها بالقوّة، وإلّا فإن الإبادة ستعود. ومع ذلك، وفور وقف إطلاق النار، عاد مسؤولو الشرطة وعناصر حماس إلى الشوارع بسرعة مذهلة، وكأن الإبادة لم تقع. أشرفوا على توزيع ما يصل من مساعدات قليلة، وفرضوا النظام، ونفّذوا أحكامًا بحقّ العملاء. وقد تحدّثت كبريات وسائل الإعلام العالمية عن أنّ حماس تستعيد قبضتها بسرعة في كل منطقة ينسحب منها الجيش المجرم.

ويؤكّد هذا الواقع ثلاث حقائق أساسية: أولًا، أنّ المجتمع الغزّي لا يزال يعترف بحكم حماس في غزة، ثانيا، أن السلطات التنظيمية لديها ما زالت قادرة على الإدارة. وثالثا، أنّ حماس قد ضعفت، لكنها لم تنكسر. تُظهر استطلاعات الرأي أنّ الفلسطينيين منقسمون بشأن تحمّل الحركة مسؤولية الإبادة الجارية، لكن هناك شبهَ إجماع على رفض نزع سلاح المقاومة؛ وهو موقف يحمل رسالة واضحة: لا استسلام، ولا أحد يملي شروطه علينا. وفي الوقت ذاته، هناك رفض واسع لحكم فتح والسلطة الفلسطينية، ما يعزّز التوجّه نحو تشكيل حكومة وحدة وطنية أو حكومة تكنوقراط.

برأيي، فإنّ هذه الخطة، وتلك الإبادة، وما يلوّح به الصهاينة من تهديد بعودتها بعد فشلهم المريع في لبنان وايران، لن يقضي على المقاومة. فالتاريخ يعلمنا أنّ القوّة الغاشمة لم تنجح يومًا في القضاء على حركات التحرر، بل كانت دائمًا تغيّر شكلها وتعيد إنتاجها. فالبريطانيون سحقوا ثورة عام 1936 ونفوا قادتها، لكن الفلسطينيين خاضوا حرب عام 1948. ثم خرجت منظمة التحرير، ومنها انطلقت الانتفاضة الأولى، التي فجّرت اتفاق أوسلو لتولد منها الانتفاضة الثانية، وتصل حماس إلى الحكم. كما أنّ حصار غزة وعشرات العمليات العسكرية المتلاحقة عززت حضور الحركة ومكانتها. ثم جاء السابع من أكتوبر، يوم حاول الكيان والغرب القضاء على حماس وكسر إرادة الشعب الفلسطيني وفشلوا.

في كل مرة يظن الكيان والغرب أنّهم كسروا إرادة الفلسطينيين، ينهض جيل جديد أكثر تحديًا وصلابةً. ولذلك، فإنّ عودة حماس إلى الساحة ليست مفاجأة، بل نتيجة طبيعية ومنطقية. وهذا هو الدرس الذي ينبغي على الولايات المتحدة أن تتعلمه أخيرًا: لا حلّ إلا بمنح الفلسطينيين حقوقهم الكاملة، وإلّا فإنهم سينتزِعونها بأيديهم، مهما طال الزمن.


مواضيع قد تهمك