اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

النائب د علي الطراونة : هجرة العقول الشابة ( عندما يبحث الشباب عن المستقبل خارج الوطن)

النائب د علي الطراونة : هجرة العقول الشابة ( عندما يبحث الشباب عن المستقبل خارج الوطن)
أخبارنا :  

في السنوات الأخيرة، أصبحت هجرة الشباب واحدة من أكثر القضايا حضوراً في النقاشات الاجتماعية والاقتصادية في الأردن والعالم العربي. فمع تزايد التحديات الاقتصادية وارتفاع معدلات البطالة وتغير متطلبات سوق العمل، باتت الهجرة خياراً يفكر فيه عدد متزايد من الشباب الذين يسعون إلى بناء مستقبل أكثر استقراراً وتحقيق طموحاتهم المهنية والشخصية.

لا يمكن النظر إلى الهجرة باعتبارها مجرد انتقال جغرافي من دولة إلى أخرى، بل هي ظاهرة تعكس علاقة الفرد بواقعه وفرصه وتطلعاته. فعندما يشعر الشاب أن جهده وتعليمه لا يقابلان بفرص حقيقية للنمو والتقدم، يصبح البحث عن بدائل خارج الحدود أمراً طبيعياً ربما ضرورياً من وجهة نظره.

لكن تتعدد الأسباب التي تدفع الشباب إلى التفكير في الهجرة، إلا أن العامل الاقتصادي يبقى الأكثر تأثيراً. فالبحث عن فرص عمل أفضل، ورواتب أعلى، ومستوى معيشة أكثر استقراراً، يشكل الدافع الرئيسي لدى الكثيرين. كما يلعب التعليم دوراً مهماً، إذ يسعى بعض الشباب إلى الالتحاق بجامعات ومراكز بحثية متقدمة تتيح لهم تطوير قدراتهم العلمية والمهنية.

إلى جانب ذلك، هناك عوامل أخرى تتمثل في الرغبة بالعمل ضمن بيئات تشجع الإبداع والابتكار، وتكافئ الكفاءة والخبرة، وتوفر مسارات واضحة للتطور الوظيفي. فالشباب اليوم لا يبحثون فقط عن وظيفة، بل عن فرصة لبناء مستقبل يشعرون فيه بالإنجاز والاستقرار.

رغم المخاوف المرتبطة بهجرة الكفاءات، إلا أن للهجرة جوانب إيجابية لا يمكن تجاهلها. فهي تمنح الشباب فرصة لاكتساب خبرات عالمية والتعرف إلى ثقافات مختلفة وتطوير مهاراتهم في بيئات عمل متقدمة. كما تسهم في توسيع آفاق التفكير وتعزيز القدرة على التكيف مع المتغيرات العالمية.

ومن جهة أخرى، تشكل تحويلات المغتربين المالية دعماً مهماً لاقتصادات العديد من الدول، كما أن عودة بعض المهاجرين بخبراتهم ومعارفهم يمكن أن تسهم في نقل التكنولوجيا والمعرفة وتعزيز التنمية المحلية.

في المقابل، تترك هجرة العقول الشابة آثاراً عميقة على المجتمعات. فالدول التي تستثمر سنوات طويلة في تعليم وتأهيل أبنائها تخسر جزءاً مهماً من طاقاتها البشرية عندما تغادر الكفاءات إلى الخارج. ويؤدي ذلك إلى نقص الخبرات في بعض القطاعات الحيوية، ويضعف قدرة الاقتصاد على الابتكار والمنافسة.

كما أن استمرار هذه الظاهرة قد يخلق شعوراً عاماً بالإحباط بين الشباب، حيث تصبح الهجرة في نظر الكثيرين الحل الوحيد لتحقيق النجاح، بدلاً من أن يكون النجاح ممكناً داخل الوطن نفسه.

لا يمكن معالجة ظاهرة الهجرة من خلال الدعوات العاطفية وحدها، بل من خلال سياسات واقعية تلامس احتياجات الشباب وتطلعاتهم. ويتطلب ذلك خلق فرص عمل نوعية، وتحسين بيئة الاستثمار، ودعم المشاريع الريادية، وربط مخرجات التعليم بمتطلبات سوق العمل.

كما أن تعزيز العدالة وتكافؤ الفرص، وتشجيع الابتكار والبحث العلمي، وإشراك الشباب في الحياة العامة وصناعة القرار، كلها عوامل تسهم في تعزيز شعورهم بالانتماء والثقة بالمستقبل.

الهجرة ليست مشكلة بحد ذاتها، فهي حق طبيعي لكل إنسان يسعى إلى تحسين حياته وتطوير قدراته. لكن التحدي الحقيقي يكمن في أن يصبح الوطن قادراً على توفير البيئة التي تجعل أبناءه يرون مستقبلهم فيه لا خارجه. فالعقول الشابة ليست مجرد أرقام في إحصاءات الهجرة، بل هي القوة التي تصنع التنمية وتبني المستقبل. وكلما نجحت الدول في الاستثمار في شبابها وخلق الفرص لهم، قلّ الحديث عن الهجرة وزاد الحديث عن الإنجاز والابتكار داخل الوطن.


تحياتي

د علي الطراونة


مواضيع قد تهمك