البروفيسور حسن البرماوي : نحن الأردن... والكلمة لنا
بقلم: البروفيسور حسن البرماوي
رئيس مجلس إدارة منصة المغترب الأردني
نضع الإصبع على الجرح بلا قفازات ونقولها كما هي: إن اسم الأردن اليوم يحمله أبناؤه على أكتافهم ويرفعونه للعالم بجهد ذاتي وشغف شخصي وإيمان لا يساوم. فلم تعد الصورة تصنع في الاستديوهات المغلقة، بل صارت تولد من عدسة موبايل في وادي رم، ومن صحن منسف في بيت عماني، ومن قصة يرويها مغترب لجاره في تورونتو عن معنى كلمة "النشامى". هذا هو الواقع الجديد الذي يجب أن نعترف به أولاً قبل أن نبني عليه، لأن الطاقة موجودة في الشارع وفي الميدان وفي البيوت، لكنها مبعثرة كحبات الذهب تنتظر استراتيجية شعبية واعية تنظم هذا التدفق العفوي، وتصهر هذه المبادرات الفردية لتصبح رافعة وطنية واقتصادية متكاملة تليق بعنق الوطن.
ولقد أثبتت التجربة أن الناس لم تعد تصدق الإعلانات المصقولة بقدر ما تصدق الإنسان الحقيقي الذي يتحدث من قلبه. فعندما يصور شاب أردني طريقة إعداد الجميد ويصل الفيديو لثلاثة ملايين إنسان، فهو لم يبع وصفة طعام بل باع تجربة، وباع ثقافة، وباع دعوة مفتوحة لزيارة الأردن دون أن يطلب دولاراً واحداً من أحد. وهذه هي القوة الناعمة في أنقى صورها، قوة لا تشترى بالمال لأنها مبنية على الثقة، والثقة اليوم هي العملة الأندر في سوق المحتوى العالمي. والمؤلم أن الفكرة العظيمة قد تولد على يد شاب في إربد أو معان، ثم نراها بعد أسابيع تطبق في مكان آخر دون أن نعرف من هو صاحبها، وهنا يموت الحافز وتغتال الفكرة القادمة قبل أن تولد. إن ضياع الحق الأدبي هو الجرح الصامت الذي ينزف في جسد الإبداع الشعبي، وعلاجه لا يحتاج إلى لجان بل يحتاج إلى ميثاق شرف نكتبه نحن بيننا، ميثاق يقول بوضوح: ننسب الفكرة لأهلها، وندعم محتوى بعضنا قبل محتوى الغريب، ونؤمن أن نجاح أي أردني هو انتصار للأردن كله، لأننا في النهاية في مركب واحد.
وهنا تبرز الأرقام التي لا تكذب. فالمغترب الأردني اليوم هو أكبر وكالة ترويج سياحي غير مدفوعة في العالم. وبحسب البيانات الأولية الصادرة عن البنك المركزي الأردني، فإن الدخل السياحي من الأردنيين المغتربين ارتفع بنسبة أربعة فاصلة تسعة بالمئة خلال التسعة شهور الأولى من عام ألفين وأربعة وعشرين، في وقت تراجع فيه الدخل من الأسواق الأوروبية بنسبة أربعة وخمسين فاصلة ثلاثة بالمئة والأمريكية ثمانية وثلاثين فاصلة ستة بالمئة. وهذا يعني أن المغترب الأردني، بموبايله وقصته وفيديو "المنسف" الذي يصوره لأصدقائه، أصبح هو صمام الأمان الحقيقي للقطاع السياحي. ففي الوقت الذي انخفض فيه إجمالي الدخل السياحي أربعة فاصلة ثلاثة بالمئة ليصل إلى خمسة مليارات وخمسمئة وواحد وسبعين مليون دولار بسبب الأوضاع الإقليمية، كان المغترب هو الوحيد الذي حقق نمواً إيجابياً. وإذا أضفنا لذلك أن حوالات المغتربين الأردنيين ارتفعت ثلاثة فاصلة خمسة بالمئة لتصل إلى مليارين وثلاثمئة وثلاثة وأربعين مليون دولار في أول ثمانية شهور فقط، ندرك حجم الاستثمار غير المباشر الذي يضخه أبناء الأردن في الخارج. وهذا المال لا يذهب لفندق واحد، بل يتوزع مباشرة على بيوت ضيافة في أم قيس، وأدلاء سياحيين في البتراء، ومطاعم شعبية في وسط البلد، وسائقي تكسي في العقبة، وحرفيين في مادبا، وأصحاب مخيمات في وادي رم. وهو مال يصل إلى الجيب الأردني قبل أن يصل إلى خزينة الدولة عبر الضرائب والرسوم.
وهنا لا بد أن ندرك أن قوة هذا الحراك الشعبي لا تنبع من فراغ، بل من إرث عميق يحتاج العالم اليوم إلى فهمه. فكلمة "النشامى" التي نرددها بفخر ليست مجرد لقب رياضي عابر أو وسم رقمي للمشاهدات، بل هي نظام قيمي واجتماعي أردني ضارب في جذور التاريخ، يعبر عن الفروسية والشهامة وإغاثة الملهوف والمشاركة الجماعية في الإنتاج والبناء. وهي ذاتها الروح التي اختزلتها جبالنا وصحراؤنا عبر العصور، وتحولت اليوم في العصر الرقمي إلى طاقة إنتاجية يبثها الشباب عبر عدساتهم والمغتربون عبر رسائلهم، لنؤكد للعالم أن الأردن لم يكن يوماً مجرد جغرافيا عابرة، بل هو واحة حضارية تلتقي فيها الأصالة بالمعاصرة. وأن هذه المنظومة القيمية هي أكبر ميزة تنافسية نملكها في سوق السياحة العالمي، لأن السائح اليوم لا يبحث عن مجرد جدران صامتة، بل يبحث عن مجتمعات حية تملك روحاً ترحب بالضيف وتشاركه تفاصيل الحياة اليومية بكرم وبساطة.
ونحن اليوم نقف على أبواب فرصة لا تتكرر في العمر، فرصة اسمها كأس العالم ألفين وستة وعشرين. والخطأ القاتل أن نتعامل معها كحدث رياضي مدته تسعون دقيقة، بل هي موسم ممتد سيكون فيه اسم الأردن حاضراً كل يوم على شاشات العالم وألسنة الناس. هذه المعركة لا تربحها المنتخبات وحدها، تربحها الشعوب التي تعرف كيف تحول الزخم الرياضي إلى زخم سياحي وثقافي واقتصادي عابر للقارات. ومن هنا يجب أن تتحول كل مبادرة وكل متجر وكل مطعم وكل صفحة وكل عدسة لتصب في نهر واحد اسمه "النشامى"، حتى يصبح تشجيع المنتخب بوابة لتشجيع السياحة، ويصبح كل هدف يسجله لاعب قصة تروى عن البتراء، ويصبح كل علم يرفرف في المدرجات دعوة مفتوحة لزيارة وادي القمر.
إن السؤال الحقيقي لم يعد "من هو المسؤول عن الترويج للأردن؟"، بل صار "هل قررت أنت أن تكون مسؤولاً؟". فالسفير اليوم هو الطالب الذي يشرح لزملائه معنى كلمة "غانمين"، وهو صاحب المقهى الذي يكتب قصة القهوة العربية على جداره، وهو المغترب في شيكاغو الذي أقام معرضاً مصغراً عن جرش في جامعته وجلب أربعة آلاف زائر، وهو المصور الهاوي الذي يترك مادته الخام متاحة للجميع تحت وسم الأردن_المفتوح، لأن الأردن ليس حدوداً على خريطة، بل قصة مفتوحة يكتبها أبناؤه كل يوم، ومن حق كل أردني أن يضيف سطراً فيها. نحن لا نحتاج إذناً لنخدم وطننا، ولا نحتاج ميزانية لنحب بلدنا. نحتاج فقط أن نتوقف عن العمل كجزر منعزلة ونبدأ بالتحرك كجسد واحد متناغم لا تفصله المسافات، أن ننشئ بنك الأصول المفتوح الذي يضم صور البتراء بدقة عالية وفيديوهات عمان الخام ومعلومات السياحة العلاجية الموثقة، ونضعها جميعاً في متناول كل شاب يريد أن يقول للعالم "هذه حكايتنا".
نحتاج أن نغير مقياس النجاح من عدد الإعجابات إلى عدد القلوب التي قررت أن تزور الأردن بسببنا، ومن الضجيج اللحظي إلى الأثر المالي والاقتصادي المستدام الذي يبقى لسنوات. حيث تشير القراءات الاقتصادية المبنّية على أرقام المبادرات الشعبية والمحتوى العفوي إلى أن هذا الحراك الرقمي، إذا تم تنظيمه، يملك القدرة على الوصول إلى أكثر من سبعمئة وخمسين مليون مشاهدة تراكمية بحلول نهاية المونديال، مستهدفاً الأسواق الحيوية في أمريكا الشمالية والخليج العربي وشرق آسيا. وهو ما يشكل شبكة أمان حقيقية ترفد الدخل السياحي الوطني وتدفع به ليتجاوز حاجز ثمانية مليارات ونصف المليار دولار في الأعوام القليلة القادمة، من خلال تنشيط التدفقات السياحية الثقافية إلى البتراء وجرش وأم قيس، والسياحة العلاجية إلى البحر الميت، وسياحة المغامرات إلى وادي رم ومحمية ضانا. وتوجيه هذه الإيرادات مباشرة لشريان المجتمع المحلي وأصحاب المشاريع الصغيرة في المحافظات، لتتكامل المبادرات الشعبية مع القطاع السياحي بكافة شركاته ومؤسساته.
والخلاصة أننا نملك كل عناصر المعادلة: القصة الأصدق، والإنسان الأطيب، والفرصة الأكبر، والأرقام التي تثبت أن الجهد الفردي يتحول إلى دخل قومي. ولا ينقصنا سوى القرار بأن نتحرك ككتلة واحدة. واليوم نتوقع موجة سياحية قوية من الولايات المتحدة والدول المشاركة في المونديال نحو الأردن، فالمشجع الأمريكي والكندي والمكسيكي والخليجي الذي سيتابع "النشامى" سيبحث عن البلد الذي أنجبهم. وهنا يأتي دور المغترب الأردني ليكون هو الجسر، وهو المترجم، وهو الدليل. وهذا المقال يهدف لإيصال صوت المغترب الأردني الذي يروج لبلده كل يوم دون مقابل، ليقول له: جهدك يصل، وتأثيرك يُقاس بالملايين، وأنت اليوم أهم مستثمر في اقتصاد وطنك. فالعالم لن يأتي ليبحث عنا، وواجبنا أن نذهب إليه قصة قصة، وفيديو فيديو، وإنسان إنسان. وكأس العالم هو صافرة البداية، والميدان هو ميداننا، والمعركة هي معركة السردية، والسردية نكتبها نحن ونوثقها للأجيال القادمة. فمن اليوم كل أردني سفير، وكل مبادرة مشروع وطني، وكل جهد مهما صغر هو حجر في بناء الصورة الكبرى. وانتهى زمن الانتظار، وهذا أوان الفعل، لأن العالم سيشاهد النشامى، ودورنا أن نجعله يشاهد الأردن كله معهم وبهم وعبرهم.
نحن_الأردن نحن النشامى2026 كلنا الاردن سفراء للأردن وطن النشامى .