فارس الحباشنة : قبــل أن تموت كــــرة الـقـــدم
كرة القدم تعيد الانسان الى اصله البدائي، كرة تتدحرج ولاعبون يركضون وراءها فوق الاعشاب، وجمهور يطارد في متابعته اقدام اللاعبين وشباك المرمى.
أنها معجرة اسمها كرة القدم، ومعجزة تاريخية اسمها كأس العالم.. وكل 4 اعوام يدخل العالم في هدنة كونية، تتوقف الشعوب والامم والدول والحكومات والجيوش والبورصات وحركة الاقتصاد وغرف العمليات الحربية والاستخباراتية وتعود الى اصلها الطبيعي والبدائي.
مليارات من البشر في الملاعب وأمام شاشات التلفزيون يتابعون مبارة كرة القدم، وعلى قناعة واعتقاد أن مصير البشرية قد يختصر بـ 90 دقيقة.
سر كرة القدم في سحرها الفطري والبدائي، ولدت في رحم الطبيعة، ركض الناس خلف الكرة دون أن يسألوا لماذا؟ وتسللوا الى الملاعب دون أسئلة معقدة ولا حواشي وشروحات عن الكرة، فلم يسألوا عن الهجوم ولا المراوغة ولا شروط التهديف، ولا عدد الادلة والشهود لاثبات ضربة الجزاء والركنية ولمسة اليد.
العالم اليوم يبدوأنه يخسر كرة القدم، وقد تحولت لضحية الى اقتصاد الاستهلاك ومجتمع الرفاهية، وتحولت الكرة الى «عقيدة رأسمالية» والفيفا وملاعب كرة القدم معابدها.
كرة القدم اليوم محاطة بجيش من المختصين والخبراء والمحللين يجيدون الظهور على الشاشات، وفي حياتهم لم يلمسوا كرة قدم، ولم يمرروا ضربة كرة، ولم يسددوا ولم يراوغوا في ملعب، ولكنهم يتقنون فن الكلام عن التمرير والمراوغة والتسديد وتسجيل الاهداف، ويتحدثون أكثر مما يتحدث اللاعبون انفسهم، وأكثر مما يتحدث مدربو المنتخبات.
وفي أخر دورات لكأس العالم خبراء ومحللو الكرة أصبحوا اكثر من اللاعبين، وصارت الاستديوهات ومراكز التحليل الرياضي تسلط الاضواء وكاميرات الاعلام عليها أكثر من اللاعبين والمباريات.
شراح كرة القدم صاروا أكثر من الذين يفهمون روح اللعبة وفقهها، والدفاع المستميت لم يعد اليوم عن الفرجة الممتعة وشعبية وجماهرية كرة القدم، وقدرة الناس عن الاستمتاع.
كرة القدم مهددة بالموت، ماتت كرة القدم عندما حولتها حكومة «الفيفا « العالمية الى لعبة طبقية، وحرمت شعوب العالم الفقير والمهمش في الجنوب من الحضور المجاني لمباريات كأس العالم على شاشات التلفزيون، ولتقام بطولة كأس العالم في دول كامريكا تحظر دخول مواطني 12 دولة مشاركة في كأس العالم الى اراضيها ومنحهم تأشيرات زيارة.
ستموت كرة القدم، عندما تقفل ابواب الملاعب وتغلق الشاشات امام جماهير الدول الفقيرة..
والمثير للسخرية، أن الجميع يتحدث عن عولمة كرة القدم، ويتحدث عن حماية كرة القدم، وهم في الحقيقة يقومون بدفن الكرة تحت اقدامهم.
وكمن يخاف على وردة جميلة، فيقوم ببناء سور وجدار حولها ليمنع الهواء من الوصول اليها، ومن بعد يسأل بدهشة وغباء، لماذا ذبلت ؟
والخوف أن يستيقظ الناس يوما ويكتشفوا أن الكرة لم تعد في الملعب اصلا. وان أختفت في سوق المضاربات أو أن الرئيس الامريكي ترامب قرر احتكارها وأمركتها.