د. محمد ثلجي : القعقاع اليمني في مرآة «رواية العجوز والبحر» لإرنست همنغواي
رحم الله الشاب اليمني القعقاع عنتر العبسي البالغ من العمر 30 عاما والملقب "سبايدر مان اليمن". هذا الشاب الذي اشتهر بتحدي الطبيعة وتسلق المرتفعات والمنحدرات الوعرة، حتى بدا لكثيرين وكأنه يراقص الخطر ويغلبه في كل مرة.
كان يضع روحه على كفه، ويخوض مغامراتٍ شاقة في مواجهة الجبال والفوهات البركانية، غير أن الطبيعة التي انتصر عليها مراراً كانت له بالمرصاد في النهاية. ففي مغامرته الأخيرة، وأثناء تسلق الجدران الصخرية العمودية لفوهة بركان (حرضة دمت) في اليمن دون وسائل حماية كافية، سقط في الفوهة ولقي حتفه، في مشهدٍ مؤلم أعاد إلى الأذهان حقيقة أن الإنسان، مهما بلغ من الجرأة والمهارة، يظل محدود القدرة أمام قوى الطبيعة.
ولعل في الأدب ما يعيننا على قراءة مثل هذه المواقف وتأمل دلالاتها.
ففي رواية The Old Man and the Sea (العجوز والبحر) للكاتب Ernest Hemingway، يخوض العجوز سانتياغو صراعاً شرساً لاصطياد سمكة المارلين العملاقة بقاربه الصغير، ليثبت قدرته رغم تقدمه في السن. وينجح في اصطياد هذه السمكة التي يفوق حجمها حجم قاربه بعد معاناة طويلة. فهل عاد بها سليمةً إلى الشاطئ؟ بالتأكيد لا، فقد تعرضت السمكة لهجمات متتالية من أسماك القرش التي التهمتها تدريجياً، فلم يعد إلى الشاطئ إلا بهيكلها العظمي. وهنا تأتي العبرة الأولى في الرواية، وهي احترام الطبيعة وعدم الاستهانة بقوانينها. فالإنسان يستطيع أن يحقق إنجازات عظيمة، لكنه قد يدفع ثمناً باهظاً عندما يتجاوز حدود الحكمة أو يتجاهل عوامل الأمان والاستعداد. كما تحمل الرواية درساً آخر يتجاوز البحر والصيد إلى شؤون الحياة والإدارة والقيادة. فلا ينبغي أن نضع أنفسنا في موقفٍ أكبر منا ولا طاقة لنا به، كما يفعل بعض المسؤولين الذين يتولون مناصب لا يملكون الكفاءة الكافية لها، فيستلمون الأمر بحالة جيدة، لكنهم للأسف ينتهي بهم الأمر إلى تركه كهيكلٍ عظمي أسوأ مما كان عليه (كما عاد سانتياغو بسمكته هيكلاً عظمياً). إن قصة القعقاع بن عنتر، كما قصة سانتياغو، تثير الإعجاب بالشجاعة والإصرار، لكنها تذكرنا في الوقت نفسه بأن الجرأة وحدها لا تكفي، وأن الحكمة، والتقدير السليم للمخاطر، واحترام حدود الإنسان، هي عناصر لا تقل أهمية عن الشجاعة نفسها.