د. ليث خريس : مشروع وطني لتشجير الأردن: نحو أردن أخضر ومستدام
يواجه الأردن اليوم تحديات بيئية متزايدة تتمثل في التغير المناخي، وارتفاع درجات الحرارة، وتراجع المساحات الخضراء، والتصحر في بعض المناطق. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إطلاق مشروع وطني شامل لتشجير الأردن، يبدأ بمحافظات إربد وجرش وعمان ويمتد ليشمل جميع محافظات المملكة، بهدف تعزيز الاستدامة البيئية وتحسين جودة الحياة للأجيال الحالية والقادمة.
يهدف المشروع إلى زراعة الأشجار المحلية المناسبة للبيئة الأردنية في المدن والقرى وعلى جوانب الطرق وفي الحدائق العامة والمدارس والجامعات والمناطق الحرجية. كما يسعى إلى زيادة الرقعة الخضراء، والحد من التصحر، وتحسين جودة الهواء، وتجميل المدن، وتعزيز ثقافة المحافظة على البيئة من خلال إشراك المواطنين والمؤسسات الحكومية والخاصة في عمليات الزراعة والرعاية المستمرة للأشجار.
ومن العوامل التي تدعم نجاح هذا المشروع أن الأردن، وخاصة محافظات الشمال مثل إربد وجرش وعجلون، يتمتع بمناخ وتربة ملائمين لزراعة العديد من أنواع الأشجار الحرجية والأشجار دائمة الخضرة. فمعدلات الأمطار في هذه المناطق تُعد من الأعلى على مستوى المملكة، كما أن طبيعة التربة تساعد على نمو الأشجار واستدامتها على المدى الطويل. ويمكن الاستفادة من ذلك في زراعة أشجار البلوط والسنديان والصنوبر والسرو وغيرها من الأنواع المحلية التي تتكيف مع البيئة الأردنية، مما يسهم في إنشاء غابات مستدامة تعزز التنوع الحيوي وتحافظ على الموارد الطبيعية.
وتتمثل الفوائد المناخية للمشروع في زيادة قدرة البيئة على امتصاص غاز ثاني أكسيد الكربون وتقليل آثار الاحتباس الحراري، إضافة إلى تحسين جودة الهواء وتقليل نسبة الغبار والملوثات. كما تساعد الأشجار على خفض درجات الحرارة في المدن، وتوفير الظل، وتقليل استهلاك الطاقة المستخدمة في التبريد خلال فصل الصيف، فضلاً عن دورها في حماية التربة من الانجراف والمحافظة على التوازن البيئي.
أما من الناحية السياحية، فإن المشروع سيمنح المدن الأردنية طابعاً جمالياً أكثر جاذبية، ويعزز من قيمة المواقع الأثرية والطبيعية. ففي جرش يمكن للمساحات الخضراء أن تضفي جمالاً إضافياً على المدينة الأثرية وتزيد من جاذبيتها السياحية، وفي إربد وعجلون يمكن تطوير مسارات للسياحة البيئية والمشي بين الغابات والمتنزهات الطبيعية. كما ستسهم زيادة المساحات الخضراء في عمان في تحسين المشهد الحضري وتوفير متنفس طبيعي للسكان والزوار. وستستفيد بقية المحافظات من إنشاء حدائق ومتنزهات جديدة تدعم السياحة الداخلية وتعزز الاقتصاد المحلي.
وعلى الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، سيوفر المشروع فرص عمل في مجالات الزراعة والصيانة والإدارة البيئية، كما سيشجع على الاستثمار في المشاريع البيئية والسياحية. إضافة إلى ذلك، فإنه يعزز روح المسؤولية المجتمعية والعمل التطوعي، ويغرس لدى الأجيال الجديدة ثقافة المحافظة على البيئة والموارد الطبيعية.
وفي الختام، فإن مشروع تشجير الأردن ليس مجرد مبادرة بيئية، بل يمثل رؤية وطنية استراتيجية لبناء مستقبل أكثر اخضراراً واستدامة. ومن خلال استثمار المقومات الطبيعية التي تتمتع بها المملكة، وخاصة في شمال الأردن، يمكن لهذا المشروع أن يسهم في تحسين المناخ، وتنشيط السياحة، ودعم الاقتصاد الوطني، وجعل الأردن نموذجاً إقليمياً في التنمية البيئية المستدامة.