محمود الدباس - أبو الليث : من حفل التخريج إلى جاهة الخطوبة ..
في الصيف تكثر المناسبات الجميلة.. حفلات التخريج.. وجاهات الخطوبة.. والأعراس.. وتكثر معها مشاهد التزاحم على الصفوف الأولى.. والمقاعد المتقدمة.. وكأن قيمة الحضور تُقاس بقربه من المنصة.. أو بمكان جلوسه بين الناس..
قبل أيام.. دخلت مع أحد الأصدقاء إلى جاهة خطوبة كنا مدعوين إليها من أهل العروس.. فاخترت الجلوس في أول صف قريب من المخرج.. رغم إصرار أهل الدعوة على أن نتقدم إلى المقاعد الأمامية.. وبعد أن جلسنا سألني صديقي مستغرباً.. لماذا لم ندخل إلى الأمام؟!..
قلت له.. في حفلات التخريج يُنادى على الأول في التخصص "فلان الفلاني".. باعتباره صاحب الإنجاز الأبرز.. ثم يُنادى على بقية الطلبة بـ "الناجحون".. وقد يكون صاحب ثاني أعلى معدل.. آخر من يصعد إلى المنصة.. فقط لأن اسمه متأخر أبجدياً.. ومع ذلك يحصل الجميع على الشهادة ذاتها.. ويغادرون وهم فرحون بما حققوه..
والأمر نفسه في الجاهات والمناسبات الاجتماعية.. فالأضواء تتجه نحو رئيس الجاهة من الطرفين.. أما البقية فهم "الحضور".. وجودهم لا يُقاس بموقع المقعد.. بل بصدق المشاركة.. ووفاء الحضور.. وتلبية الدعوة.. وفي النهاية.. كلهم سيحصلون على نفس التحلاية.. ويغادرون..
الحقيقة التي يكتشفها الإنسان مع الزمن.. أن السعي الدائم إلى الصف الأول.. ليس ضرورة في كل محطة من محطات الحياة.. فهناك فرق بين أن تسعى لتكون الأول في الإنجاز والعمل والعلم.. وبين أن تتزاحم لتبدو في الصف الأول أمام عدسة كاميرا.. أو في مقعد متقدم لا يغيّر شيئاً من قيمتك الحقيقية..
فإن لم تكن صاحب المناسبة.. أو صاحب الدور الاساس فيها.. فاجلس حيث تشاء مطمئناً.. لأن مكانتك عند الناس لا يصنعها المقعد.. ولا يحددها رقم الصف.. ولا تقاس بعدد من التقطوا لك الصور.. بل بما تحمله من أخلاق.. واحترام.. وحضور طيب..
وفي كثير من الأحيان.. يكون أجمل ما في النضج.. أن تدرك أن الحياة ليست منافسة على المقاعد.. بل منافسة على الأثر.. وأن بعض الناس يجلسون في آخر الصفوف.. لكنهم يحتلون أول الأماكن في القلوب..