حاتم النعيمات : التبرعات أموال عامة أيضاً
خلال العدوان على غزة، ظهرت العديد من شبكات الظل التي قامت بعمليات واسعة لجمع التبرعات في الأردن تحت عنوان "دعم صمود الأشقاء في القطاع"، وذلك رغم أن الدولة الأردنية وفرت قناة رسمية للتبرع تتمثل في الهيئة الخيرية الهاشمية المشهود فلسطينيًا ودوليًا بكفاءتها في إيصال المساعدات خلال أسوأ ظروف الحرب.
لذلك، كان لزامًا على الحكومة الأردنية ضبط الأمور كإجراء طبيعي في أي دولة مؤسسية، فلا يمكن أن يكون جمع التبرعات نشاطًا عشوائيًا خارج نطاق الرقابة. فهذه الأموال تُعد في حكم الأموال العامة وفق نظام ترخيص جمع التبرعات لسنة 2025، وتخضع لتدقيق ديوان المحاسبة. والمقصود هنا ليس التشكيك في نوايا جامعي التبرعات، بل التأكيد على سيادة القانون، والتذكير بأن الهيئة الخيرية الهاشمية قادرة على أداء هذه المهمة بالنيابة عن الجميع.
بعض التيارات السياسية استفادت من الكارثة الإنسانية في غزة واستغلت حالة التضامن بجمع مبالغ غير مرخصة، لم يصل جزء منها إلى مستحقيها. وللتعمية على ذلك، تصاعدت نبرة المزاودة على الموقف الأردني لإقناع المتبرعين بأن أموالهم عبر القنوات الرسمية لا تصل، مع استمرار التشكيك بموقف الأردن واتهامه بالتعاون مع الاحتلال في الخفاء.
سيطر الخطاب الشعبوي على مشهد جمع التبرعات؛ فكلما حاولت الحكومة تطبيق القانون على من يجمعون التبرعات دون ترخيص، ارتفعت أصوات تتهم الدولة بمعاداة المقاومة، ويُصوَّر كل من يُحقَّق معه في هذا السياق على أنه متهم بدعمها. والحال أن دعم المقاومة غير مُجرَّم في الأردن الذي يقرّ بأن إسرائيل سلطة احتلال، وبالتالي يعترف بحق الشعب الفلسطيني في المقاومة وفق المواثيق الدولية، فضلًا عن أن المقاومة الوطنية الفلسطينية تمثل مصلحة أردنية عليا لضمان حق العودة ومعالجة ملف اللجوء.
ولو اطّلع البعض على مواقف وزارة الخارجية الأردنية خلال العدوان، لأدرك أن الدولة تدعم حق الفلسطينيين في المقاومة بمختلف أشكالها، دون حصرها في العمل العسكري أو احتكارها من فئة بعينها؛ فالصمود على الأرض مقاومة، والتحرك القانوني والدبلوماسي مقاومة، والتمسك بحق العودة مقاومة أيضًا. لذلك لا ينبغي اختزال القضية في العمل العسكري أو ربطها بمعادلات إقليمية كالعلاقة مع إيران.
المذهل أن هناك خجلاً غير مبرر من إظهار رواية الحق، وبالنتيجة أدى ذلك إلى سيطرة تيار معين ورواية واحدة على الفضاء العام، وفعلًا بدأنا نرى أن هناك من هو مقتنع -للأسف- أن الدولة الأردنية تحارب فكرة المقاومة وتضيّق على داعمي الشعب الفلسطيني لمجرد أنهم يجمعون التبرعات.
القضاء هو الفيصل في أي اتهام، واللجوء إلى الشعبويات لإدخال الرأي العام كجزء من عملية التقاضي هو عمل مستغرب، فالقضاء الأردني نزيه بشهادة الجميع، لذلك لا يوجد معنى لكل هذا التظلم على العلن طالما أن هناك ادعاءً بحسن النوايا.
ــ الراي