اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

سيف الله حسين الرواشدة : هل ينجح الأردن في كسر معادلة العطش؟

سيف الله حسين الرواشدة : هل ينجح الأردن في كسر معادلة العطش؟
أخبارنا :  

أكثر ما يلفت الانتباه في ملف المياه اليوم، هو الشعار الذي ترفعه وزارة المياه والري: "من إدارة الندرة إلى صناعة القدرة”، متجاوزا كونه عنوانًا لمرحلة إدارية جديدة؛ ليلامس جوهر التحدي الذي يواجه الأردن منذ عقود.

 

فالأردن من أفقر دول العالم بالمياه، لكنه نجح طويلًا في إدارة الندرة، لكن الندرة اليوم تزداد عمقا وقسوة، إلى درجة تجعل الاكتفاء بإدارتها بما اعتدنا عليه غير كافٍ، حتى أمست صناعة القدرة على إنتاج المياه، وحمايتها، وإدارتها بكفاءة أعلى مما عرفناه في السابق ضرورة للبقاء والازدهار.

الأرقام وحدها تكفي لتوضيح حجم التحدي، فقد تراجعت حصة الفرد السنوية إلى نحو 60 مترًا مكعبًا فقط، مقارنة بخط الفقر المائي العالمي البالغ 500 متر مكعب، أي أننا لا نعيش تحت خط الفقر المائي فحسب، بل تحت خط الفقر المائي الحاد.

وهذا ليس بسبب في ندرة المياه وحدها، فالحقيقة أن جزءًا مهمًا من الأزمة يكمن في كيفية إدارة ما نملكه أصلًا، فبينما تتجه الأنظار إلى مشاريع التحلية والناقل الوطني، لا يزال جزء كبير من المياه المنتجة يضيع داخل الشبكات قبل أن يصل إلى المواطنين، فالتقديرات تسير إلى أن الفاقد المائي ما يزال يدور حول 45% من إجمالي المياه الموزعة.

هذا الرقم المروع وحده يكشف حجم المفارقة، فنحن دولة تحتاج إلى كل قطرة ماء، ثم تفقد ما يقارب نصف مقدراتها بسبب شبكات متهالكة أو تسربات أو الاعتداءات والسرقات.

هنا تحديدًا يصبح شعار "صناعة القدرة” أكثر وضوحًا، فالقدرة لا تعني فقط إنشاء محطات تحلية جديدة والعمل على إنهاء مشروع الناقل الوطني بأسرع وقت، بل تعني كذلك استعادة المياه المهدورة داخل الشبكات، كما تعني أن تتحول التكنولوجيا إلى شريك أساسي في الإدارة، وأن تصبح العدادات الذكية وأنظمة كشف التسربات والمراقبة الرقمية جزءًا من البنية التحتية اليومية للقطاع.

إذ ان خفض الفاقد المائي من 45% إلى 25% خلال السنوات المقبلة، يمكن الأردن من إضافة كميات تعادل المتوقع من مشاريع كبيرة ومكلفة إلى مخزونه المائي، ولكن بكلف أقل وعائد أسرع.

أما الملف الذي لم يحظ باهتمام بالربط الكافي مع ملف المياه فهو الزراعة، فالمعادلة المائية الأردنية ستظل ناقصة ما لم يُفتح نقاش وطني هادئ ومسؤول حول العلاقة بين المياه والزراعة، إذ إن القطاع الزراعي يستهلك أكثر من نصف الموارد المائية المتاحة، في حين أن بعض الأنماط الزراعية ما تزال تعتمد على محاصيل مرتفعة الاستهلاك للمياه مقارنة بالعائد الاقتصادي الذي تحققه.

ليس المقصود هنا تحميل المزارعين مسؤولية الأزمة، فهم أنفسهم ضحايا الندرة المائية، بل المطلوب مساعدتهم على الانتقال إلى نموذج أكثر استدامة وربحية في آن واحد، نموذج يعتمد على الري الحديث، والزراعة الذكية، والمحاصيل الأعلى قيمة والأقل استهلاكًا للمياه، والتوسع في استخدام المياه المعالجة.

لا مناص من كون المرحلة القادمة مختلفة، فالانتقال من "إدارة الندرة” إلى "صناعة القدرة” ليس مجرد تحول في اللغة، بل يجب أن يترجم إلى تحول في السياسات عامة والتوجهات الحكومية، اللازمة لإطلاق مشروع يبدأ من إصلاح الشبكات، ويمر بإعادة هيكلة الاستخدامات الزراعية، وحماية الأحواض الجوفية، وتوسيع مشاريع التحلية، ولا ينتهي عند تغيير ثقافة استهلاك المياه لدى المجتمع.

إن كان نجاح الأجيال السابقة قد تجسد في قدرتها على التكيف مع الندرة، فإن نجاح هذا الجيل سيُقاس بمقياس القدرة والحلول المستدامة (مشروع الناقل الوطني)، عندها فقط يصبح الشعار الجديد وصفًا دقيقًا لمسار دولة قررت تجاوز إدارة العطش، إلى صناعة القدرة على تجاوزه.


مواضيع قد تهمك