اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

المحامي معن عبد اللطيف العواملة : هندسة الحل: من أزمة الوظائف إلى بيئة الابتكار

المحامي معن عبد اللطيف العواملة : هندسة الحل: من أزمة الوظائف إلى بيئة الابتكار
أخبارنا :  

لم تعد أزمة البطالة في الأردن مجرد أرقام ونسب مئوية تقيس حجم الباحثين عن عمل، بل باتت تدل على معضلة أعمق ترتبط ببنية الاقتصاد الوطني ومستقبله. وفي وقت يتسارع فيه قطار اقتصاد المعرفة عالمياً، نجد أنفسنا أمام مفارقة مقلقة: فنحن نمتلك أعلى نسب التعليم والكفاءة في المنطقة، ومع ذلك نسجل معدلات بطالة مرتفعة، وتحديداً بين حملة الشهادات الجامعية والشباب. هذا التناقض يدفعنا إلى طرح السؤال الحتمي: لماذا لا يستوعب سوق عملنا أفضل عقولنا، وما هي الكلفة الاستراتيجية التي ندفعها جراء هذه الفجوة؟

إن القراءة الواقعية النقدية لقواعدنا التنموية تكشف أن الداء الحقيقي لم يعد كامناً في نقص الوظائف التقليدية، بل في غياب بيئة حاضنة للابتكار وافتقارنا لعمليات الابتكار الإداري والمؤسسي والتشريعي. الاقتصاد الأردني بحاجة ماسة اليوم إلى تحول جذري يتجاوز إدارة الأزمات نحو عملية ابتكار شاملة في الإجراءات والسياسات والحلول التنموية. الابتكار المطلوب هو ذلك الذي يفكك العقلية التقليدية، ويحفز الاستثمار في قطاعات ذات قيمة مضافة عالية تولد وظائف نوعية تليق بمهارات الشباب الأردني.

وعندما يغيب هذا النوع من الابتكار، وتضيق الفرص، وتصطدم المبادرات الشبابية بجدران التعقيدات و الافكار النمطية السائدة، يبرز الخطر الأكبر الذي يهدد أمننا التنموي الا وهو نزيف العقول وتصدير الكفاءات. نعم، لقد كان المغترب الأردني تاريخياً، وما زال، سنداً حيوياً للاقتصاد عبر الحوالات المالية، لكن الاعتماد على تصدير الكفاءات كآلية لتخفيف ضغط البطالة محلياً بات يمثل استنزافاً خطيراً لثروتنا الحقيقية. إننا ننفق ملايين الدنانير من مواردنا المحدودة لتعليم وتأهيل أفضل الكوادر الطبية، والهندسية، والتقنية، و الادارية، لنقدمها جاهزة و بشكل شبه مجاني لاقتصادات دول أخرى تقطف ثمار إبداعهم وتستفيد من طاقاتهم في دفع عجلة تنميتها.

خطورة هذا النزيف تكمن في أنه يحرم الأردن من الكتلة الحرجة من المبدعين والمجددين اللازمين لإحداث النهضة الاقتصادية المنشودة. فالشباب الذين يغادرون هم ذاتهم القادرون على تأسيس الشركات الناشئة، وتطوير حلول ذكية لقطاعات الطاقة والمياه والزراعة، وقيادة التغيير في المؤسسات. إن استمرار هذا التصدير المؤلم للكفاءات، يعني بقاء اقتصادنا يدور في حلقة مفرغة من النمو المتواضع والاعتماد على الوظائف التقليدية المتآكلة.

إن الانتقال من مرحلة ادارة أزمة البطالة إلى هندسة الحل يتطلب بناء استراتيجية وطنية لتوطين الابتكار وجعل الأردن مركزاً إقليمياً جاذباً للعقول وممكنا لها. وهذا يبدأ أولاً من تفعيل ابتكار العمليات والإجراءات لتسهيل ممارسة الأعمال، وتقديم حوافز ضريبية وتمويلية غير تقليدية للمشاريع الريادية والمبتكرة، وحماية الملكية الفكرية، وفتح قنوات الشراكة الحقيقية بين الجامعات ومراكز الأبحاث وبين القطاع الخاص.

إن ثروة الأردن لم تكن يوماً في باطن الأرض، بل في عقول أبنائه وبناته. وإذا أردنا بحق ترجمة رؤى التحديث الاقتصادي إلى واقع ملموس، فعلينا أن ندرك أن مواجهة البطالة لا تكون بانتظار وظائف تأتي، بل بتهيئة بيئة تبتكر وتصنع الفرص. لقد حان الوقت لتتضافر الجهود لإنقاذ رأسمالنا البشري، وبناء بيئة وطنية حاضنة تمنح الشباب الأمل والثقة بأن ذكاءهم وإبداعهم لهما متسع، وتقدير، ومستقبل على مدى ساحات الوطن.


مواضيع قد تهمك