نور الدويري : «هندسة الاستقرار» الأردنية.. إدارة المخاطر في بيئة إقليمية متغيرة
تشهد منطقة الشرق الأوسط منذ تشرين الأول 2023 مرحلة إعادة تشكّل متسارعة بفعل تصاعد التوترات الإقليمية، ما أدى إلى تعقيد بيئة الأمن الإقليمي وإعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية للأطراف الإقليمية الفاعلة. في هذا السياق، ليبرز الأردن كدولة تتعامل مع هذه التحولات عبر مجموعة من الأدوات المؤسسية والملفات الحيوية التي تعكس نمطًا تدريجيًا في «هندسة الاستقرار» ضمن بيئة غير مستقرة. وتقوم هذه المقاربة على ثلاثة أركان: اولا احتواء التداعيات العابرة للحدود ، وثانيا تطوير البدائل الاستراتيجية الداخلية ، وثالثا تثبيت الثوابت الوطنية.
أولاً: بيئة إقليمية متعددة المسارات، فلم يعد المشهد الإقليمي محصورًا في جبهات تقليدية، بل أصبح متعدد الساحات، حيث تتداخل التوترات السياسية والأمنية في أكثر من منطقة. أدت حرب غزة والتوترات في البحر الأحمر إلى إعادة تشكّل سلاسل التوريد الإقليمية، ما زاد من أهمية الحفاظ على انسياب التجارة كعنصر استقرار اقتصادي. كما أن استمرار التوتر في الأراضي الفلسطينية يفرض تحديات سياسية وإنسانية متراكمة، ويجعل استقرار الدول ذات الموقع الجغرافي الحساس عنصرًا مؤثرًا في التوازن الإقليمي العام.
ثانيًا: الامن المائي كأولوية وطنية حيث يمثل ملف المياه أحد أبرز الملفات الاستراتيجية في الأردن، نظرًا لكونه من أكثر دول العالم فقرًا مائيًا. كما أنه يعتبر ملفا سياسيا حساسا لارتباطه بملف القضية الفلسطينية والصراع الإسرائيلي، ففي ظل المتغيرات الإقليمية، اتخذت الدولة الأردنية قرارات استراتيجية لتقليل الاعتماد على المصادر الخارجية وتعزيز الأمن المائي، أبرزها المضي بمشروع الناقل الوطني. ويهدف هذا المشروع إلى تأمين احتياجات المملكة المائية لعشر سنوات لكننا لا زلنا بحاجة لحلول تضمن الاستدامة قد تعتمد على الاستثمار بالإضافة للحل السياسي بما يعزز قدرة الدولة على إدارة الطلب المتزايد على المياه ويحد من التأثر بالتقلبات الخارجية.
ثالثًا: حماية الأرشيف التاريخي والتوثيقي، يُعد ملف اللاجئين الفلسطينيين من أكثر الملفات ثباتًا في السياسة الأردنية، عبر الإطار الأممي الذي تديره وكالة الأونروا. وخلال الحرب على غزة، قام الأردن بنقل جزء من أرشيفات الوكالة لحمايتها من مخاطر التلف أو الضياع، لتشمل هذه الأرشيفات بيانات تسجيل اللاجئين منذ العام 1948، والملفات العائلية، والسجلات الإدارية المتراكمة. وتؤكد هذه الخطوة التزام المملكة بالحفاظ على السجلات التوثيقية التي تُعد مرجعية قانونية وإنسانية للقضية الفلسطينية ضمن الأطر الأممية، وضمان حماية الذاكرة التاريخية واستمرارية البنية التوثيقية للملف.
رابعًا: الوصاية الهاشمية كعامل توازن إقليمي، تُعد الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس أحد الثوابت السياسية في الدور الأردني. ورغم التغيرات الإقليمية، لا تزال هذه الوصاية تشكل إطارًا مرجعيًا في إدارة شؤون المقدسات. وتكتسب أهمية متزايدة في فترات التوتر السياسي في المدينة، باعتبارها عنصرًا مرتبطًا بإدارة الوضع القائم في القدس، وتسهم في الحفاظ على الاستقرار الديني والسياسي ضمن سياق إقليمي حساس.
خامسًا: ثوابت السياسة الأردنية في ظل المتغيرات، في ظل استمرار التوترات الإقليمية، يؤكد الأردن على ثوابته المتمثلة برفض أي حلول للقضية الفلسطينية على حسابه، والتمسك بحل الدولتين كمسار وحيد لتحقيق السلام العادل والشامل. كما يؤكد أن أمنه واستقراره وحدوده تمثل خطوطًا حمراء، وأنه مستمر في دوره كعامل استقرار إقليمي ضمن بيئة شديدة التعقيد والتحول، ويظهر ثبوت راسخ للجبهة الداخلية، والاستمرار في تقييم العديد من الأدوار الفاعلة للاحزاب والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني والنقابات والبلديات وهذه هيكليات مستمره الى جانب رفع الوعي المستمر بالمواطنة الصالحة يمكن هندسة الاستقرار من الدفع بعجلة الاستدامة بل وتنميتها .
يعكس تداخل ملفات المياه، واللاجئين، والقدس، والبيئة الإقليمية المتغيرة حول الأردن انه يحسن ادارة مرحلة دقيقة تقوم على تطوير أدواته المؤسسية وتعزيز قدرته على التكيف. وتعتمد «هندسة الاستقرار» الأردنية على المواءمة بين المتطلبات الداخلية والمتغيرات الخارجية، بما يعكس انتقالًا تدريجيًا نحو إدارة البيئة الإقليمية عبر أدوات تراكمية بدل الاستجابة اللحظية للأزمات. ويظل نجاح هذه المقاربة مرتبطًا بقدرة الدولة على تعزيز مواردها الذاتية وتوسيع شبكة توازناتها الخارجية ضمن نظام إقليمي شديد السيولة والتحول.