برفسور حسن البرماوي يكتب : برما .. أجمل بقاع الأردن ... مليون شجرة زيتون و96 ألف دونم من المجد والرجال
بقلم : البروفيسور حسن عبد الله البرماوي
برما قطعة من الجنة نزلت غرب جرش فاجتمع فيها كل ما فرقه الله في سائر الأرض جبال برما الشاهقة تظللها شمالاً على ارتفاع يتجاوز 1200 متر عن سطح البحر والأغوار الوسطى تفتح لها ذراعيها غرباً وجبال السلط تحتضنها جنوباً وجرش الوارفة تسندها شرقاً فكانت على مساحة 96,000 دونم أغنى بقعة مالية في الأردن الزراعي وأجمل بقاعه على الإطلاق لأن فيها الغابات المتنوعة والجبال الشامخة والينابيع التي لم تجف منذ عهد الرومان وانعكاسات أشعة الشمس على جداول مياهها تشبه خيوط نور متشابك حبكت لتزهوا بها الشمس وزيتها البلدي المشهور وزيتونها الرومي المعمّر هو ذهب أهلها وسمعة بيوتها وتنعم برما بهذا الكنز الرباني منذ التاريخ فعلى أرضها أكثر من مليون شجرة زيتون شامخة تحرس الجبال والسفوح وتُعصر حبّاتها لتُخرج مئات الأطنان من الزيت سنوياً فكل تنكة تخرج من معاصرها تحمل بركة الأرض وتاريخ الأجداد وغابات دبين التي تشكل رئة الأردن الشمالية هي جزء أصيل من قضاء برما بمساحة 60 كم² من السنديان والبلوط والصنوبر الحلبي وتنوع حيوي لا تجده في مكان آخر وموقعها هذا جعلها عبر التاريخ بوابة الجيوش وممر الفاتحين ومنها خرج الرجال جنوداً في حملات صلاح الدين الأيوبي لمباركة تحرير القدس والمقدسات فقدمت فرسانها وسيوفها قبل أن تقدم زيتها وقمحها وكان دم أبنائها ديناً في رقاب الأمة وما زال وبرما اليوم بـ 16,000 نسمة حسب إحصائيات 2020 موزعين على 11 قرية من دبين حتى فروان لم تبخل على الأردن بأبنائها بل قدمت كتيبة من بناة الدولة الحديثة أطباء حملوا سماعة الرحمة في كل مستشفيات المملكة ومهندسين شيدوا السدود والجسور والمدارس ومنهم من وضع بصمته في سد الملك طلال الواقع على أراضيها والذي تبلغ سعته التخزينية 75 مليون متر مكعب من المياه ومن أهلها من قدّم أرضه التي ورثها كابراً عن كابر فداءً للدولة الأردنية لإنجاح هذا المشروع الوطني الكبير فسد الملك طلال اليوم مشيّد على أراضي أبناء برما التي سقوها بعرقهم وزيتونهم لتسقي الأردن كله ومعلمين ومعلمات كانوا الشمعة الأولى التي كتبت كلمة الأردن في عيوننا وجنوداً وضباطاً في كل أركان القوات المسلحة والأجهزة الأمنية سهروا على حدود الوطن وقدموا الشهداء ورووا ترابه وأعطت للوطن أول نقيب للفنانين الأردنيين من محافظة جرش وأول أمين عام للمجلس الأعلى الأردني وغيرهم كثير من الصحفيين والإعلاميين البارزين والكتّاب الذين حملوا اسم برما على صدر صفحاتهم وشاشاتهم ورجالاً في القطاع الخاص حولوا زيتونة الجد إلى معصرة حديثة وحقل القمح إلى مشروع يطعم مئات العائلات وكان أبناؤها من كبار تجارة السكراب على مستوى الأردن والمنطقة العربية فحولوا الخردة إلى اقتصاد وفرص عمل وفيها الإيمان حيث ثلاثون مسجداً لعمارة بيوت الله بُنيت بأيدٍ كريمة من أهالي برما تصدح منها التكبيرات وتُرفع فيها الدعوات وبرما دائماً مبادرة في المشاركة السياسية وفي الحياة الديمقراطية والانتخابات البرلمانية واللامركزية وفي كل ما يخص الأردنيين تشارك بعزيمة الرجال وإيمانهم أن الوطن يُبنى بالصوت والموقف لا بالصمت وكانت جرش والمفرق دائرة انتخابية واحدة في بدايات الحياة النيابية وخرج منها أول نائب أردني يمثل المنطقتين معاً تحت قبة البرلمان ليحمل هم أهلها وهم الوطن لأنهم تربوا أن حب الأردن فعل وليس شعاراً والذي نسج هذا البلد الأبي هو الإنسان بتقاليده وكرمه ورجولته وحبه للضيف فالضيف في برما لا يُسأل عن حاجته قبل 3 أيام والبيوت تُفتح قبل القلوب ومنقل النار لا ينطفئ والعونة والفزعة والجيرة واحترام الكبير قوانين غير مكتوبة تجعل الستة عشر ألف نسمة يعيشون كعائلة واحدة ولذلك هي الأجمل على الإطلاق لأن الجمال ليس شكلاً بل حنين وحرقة في القلب حين تبتعد عنها وهو رائحة الزيت البلدي في مواسم الخريف وصوت ينابيعها الذي يشبه ترتيلاً قديماً ومنظر الغيم وهو يتعلق بأشجار دبين كأنه يستأذنها بالمرور برما جميلة لأنها حقيقية لم يغيرها الإسمنت بعد ما زال فيها الختيار يجلس تحت السنديانة والجدة تخبز على الطابون والزيتون يُقطف بالأيدي كما كان يُقطف على عهد صلاح الدين وجنوده وهي تصلح للاستثمار في المجال البيئي والمسارات السياحية لرواد المغامرة من جبالها إلى غاباتها إلى ينابيعها ويجب أن تهتم الدولة الأردنية بهذه القطعة من جنان الأردن التي لا يختلف عليها اثنان في الأردن لأنها ثروة وطن وتاريخ شعب وأنا حين أكتب عنها لأول مرة أعرف أنني تأخرت كثيراً وأن برما لا تحتاج من يكتب عنها بل تحتاج من يعود إليها ويرد لها الدين علم تعلمناه وزيت أكلناه وماء شربناه فبرما يا أول الحكاية وآخرها يا أجمل ما خلق الله في الأردن سامحينا إن قصرنا فوالله ما نسيناك لكن الغربة أحياناً تكون داخل الوطن.
ــ 22 الإعلامي