د. دانييلا القرعان : هل تراجعت القومية العربية أم فشلت بين الفكرة الحضارية وحلم الوحدة السياسية ؟
د. دانييلا القرعان
كلما اشتدت الأزمات في المشرق العربي عاد السؤال القديم إلى الواجهة: هل فشلت القومية العربية وانتهى زمنها، أم أنها تراجعت فقط وتنتظر ظروفاً جديدة لتعود؟
لعل الخطأ الأكبر في هذه النقاش الخلط بين مفهومين مختلفين: القومية العربية من جهة، والوحدة العربية من جهة أخرى فالكثير يتعامل مع فشل مشاريع الوحدة السياسية باعتباره دليلاً على سقوط القومية العربية نفسها، بينما الواقع أكثر تعقيداً من ذلك.
القومية العربية، في أصلها الفكري، ليست مشروع دولة واحدة بقدر ما هي شعور بالانتماء إلى فضاء ثقافي وتاريخي ولغوي مشترك، إنها فكرة تقول إن العرب على اختلاف دولهم وحدودهم، ينتمون إلى حضارة واحدة تشكلت عبر قرون طويلة من اللغة والتاريخ والتفاعل الاجتماعي والثقافي، أما الوحدة العربية فهي مشروع سياسي يسعى إلى ترجمة هذا الانتماء إلى كيان سياسي أو اتحادي جامع، وبين الأمرين مسافة كبيرة.
بلغت القومية العربية ذروة حضورها في بلاد الشام خلال منتصف القرن العشرين، حين بدا أن الحدود التي رسمتها اتفاقيات ما بعد الحرب العالمية الأولى عاجزة عن احتواء الوعي الشعبي الجديد، وظهرت آنذاك مشاريع وحدوية عديدة، كان أبرزها تجربة الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا عام 1958، التي مثلت الذروة العملية لحلم الوحدة العربية، لكنها كانت أيضاً بداية الأسئلة الكبرى حول إمكانية تحقيقه، فبعد ثلاث سنوات فقط انهارت التجربة، لتبدأ مرحلة مراجعة عميقة للفكرة الوحدوية نفسها.
منذ ذلك الوقت، أخذت الهويات الوطنية المحلية تزداد رسوخاً، أصبح السوري سورياً أكثر، والأردني أردنياً أكثر، واللبناني لبنانياً أكثر، دون أن يعني ذلك بالضرورة التخلي عن الانتماء العربي، فقد اكتشفت الدول الحديثة أن بناء المؤسسات والاقتصاد وإدارة المصالح اليومية يتم عبر الدولة الوطنية القائمة، لا عبر الشعارات العابرة للحدود، هكذا برزت "الوطنية" بوصفها إطاراً سياسياً عملياً، في حين بقيت "العروبة" إطاراً ثقافياً وحضارياً أوسع.
لكن هل يعني ذلك أن القومية العربية ماتت؟ الأرجح أن الجواب هو (لا) فحين تقع أزمة في فلسطين أو حرب في لبنان، أو كارثة في سوريا، لا تزال ردود الفعل الشعبية في مختلف أنحاء العالم العربي تكشف عن وجود شعور عميق بالمصير المشترك، كما أن اللغة العربية والإنتاج الثقافي والإعلامي المشترك ما زالت تصنع فضاءً عاماً عربياً يتجاوز الحدود السياسية، قد يكون هذا الشعور أضعف مما كان عليه في خمسينيات وستينيات القرن الماضي لكن لم يختفِ.
ما تراجع فعلياً ليس الإحساس بالعروبة بل الثقة بإمكانية تحويله إلى دولة عربية موحدة، فقد أدت التجارب الفاشلة والصراعات بين الأنظمة العربية وتضارب المصالح الوطنية إلى إضعاف المشروع الوحدوي، بينما بقي الانتماء الثقافي العربي حاضراً بأشكال مختلفة، وتشير الدراسات أن أزمة القومية العربية لم تكن في فكرة الانتماء ذاتها، بل في عجز المشاريع السياسية التي رفعت رايتها عن بناء نموذج ناجح مستقر قادر على الاستمرار.
في بلاد الشام تحديداً، تبدو الصورة أكثر وضوحاً، فالأردني لا يرى تناقضاً بين اعتزازه بدولته وبين انتمائه العربي، كذلك السوري واللبناني والفلسطيني، فالهويات الوطنية ترسخت بفعل التجربة التاريخية للدول الحديثة، لكنها لم تلغِ الانتماء الأوسع إلى الأمة العربية، لعل هذا يفسر استمرار حضور العروبة في الأدب والإعلام والوجدان الشعبي حتى عندما تراجع الحزب القومي التقليدي.
لذلك، فإن السؤال الأدق ليس هل فشلت القومية العربية؟ بل أي قومية عربية نقصد؟، فإذا كنا نقصد الشعور بالانتماء الثقافي والحضاري المشترك، فإن هذه الفكرة ما زالت حية وإن كانت بأشكال جديدة، أما إذا كنا نقصد مشروع الدولة العربية الواحدة الممتدة من المحيط إلى الخليج، فإن الوقائع السياسية خلال العقود الماضية جعلت هذا الحلم أبعد مما كان عليه في أي وقت مضى.
ربما تراجع حلم الوحدة، لكن العروبة لم تختفِ، وربما المستقبل العربي مرهوناً بإعادة تعريف العلاقة بين الاثنين، عروبة ثقافية جامعة تحترم خصوصيات الدول الوطنية، تصل بنا يوماً ما الى تعاون عربي عميق لا يشترط بالضرورة الذوبان في دولة واحدة.
المحصلة القومية ليست بالضرورة مشروع حدود جديدة، بل قد تكون شعوراً بالانتماء إلى ذاكرة واحدة ومصير حضاري مشترك، أما الوحدة، خيار سياسي يبقى رهناً بظروف التاريخ وموازين القوة ومصالح الدول.