اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

عريب الرنتاوي : عن سموتريتش وبن غفير والجزء الغاطس من جبل الجليد

عريب الرنتاوي : عن سموتريتش وبن غفير والجزء الغاطس من جبل الجليد
أخبارنا :  

كتب: عريب الرنتاوي، مستشار ومؤسس مركز القدس للدراسات السياسية.

لا يستقيم الحديث عن إيتمار بن غفير دون استحضار توأمه الشقيق في التطرف والفاشية، بتسلئيل سموتريتش، بهما، وأكثر من غيرهما، ترتبط القواعد الناظمة للحكومة والائتلاف المتشكل بعد انتخابات 2022، من التوحش المنفلت، والفاشية المتمددة على الخريطة السياسية والاجتماعية الإسرائيلية، مروراً بالزحف الاستيطاني الذي لم يُبقِ ولم يذر فلسطينياً، والمرشح لاجتياز الحدود مع سوريا ولبنان والأردن، وعربدة المستوطنين وقطعانهم وميليشياتهم السائبة، وتحويل السجون إلى "مسالخ" للقتل والتعذيب والتجويع والإذلال، وليس انتهاءً بـ"الأسرلة "والتهويد للقدس ومقدساتها، إنفاذاً لنظرية "حسم الصراع مع الفلسطينيين بدل إدارته"، ومشروع "إسرائيل الكبرى" بخرائطها المرنة والمرسومة بالقوة الغاشمة.

يلتقي الرجلان في الأهداف و"النوايا السوداء"، ويفترقان، بفعل اختلاف النشأة والمرجعيات، في أنماط الخطاب والسلوك، وفي الأدوات المعتمدة لتحقيق الغايات النهائية...لم يفسد التنافس بينهما على زعامة معسكر اليمين الأكثر تطرفاً، ولا النظرة المتعالية التي يطل بها الأوكراني-الإشكنازي، على "الكردي-المزراحي"، الودّ القائم بينهما، وهو ودٌّ تمليه رغبة عميقة ودفينة، باستغلال ما يعتبرانه، "فرصة تاريخية" لا تتكرر، لإنفاذ مشروعهما القائم على تحطيم "الكيانية الفلسطينية" بكل أركانها: الأرض والشعب والنظام السياسي، وفرض "إسرائيل الكبرى، كأمر واقع، أقله بين النهر والبحر.

على أنه، وقبل الشروع في تشخيص ظاهرة "التوأم الفاشي"، ثمة تنويه واجب، لخطأ يقارفه كثيرون، عن جهل حيناً، أو لغاية في نفس يعقوب أحياناً، عندما يحصرون ظاهرة تفشي الفاشية بالرجلين، متجاهلين دور "ثالثة الأثافي"، بنيامين نتنياهو، في تصعيدهما والاعتماد عليهما، وتثمير الزوايا الحادة في مواقفهما لمقاومة ضغوط الخارج، وابتزاز الداخل، وحشد تأييد الشرائح الأكثر تطرفاً في المجتمع الإسرائيلي خلف حكومته.

وثمة تنويهٍ ثانٍ، واجب كذلك، يمليه إدراك عميق للتحولات التي طرأت على بنية المجتمع الإسرائيلي منذ الانتفاضة الثانية وإعادة الانتشار من قطاع غزة، ومفاده أن الرجلين، وحزبيهما، ليسا سوى الجزء الظاهر من "جبل الجليد"، أما جزؤه الأكبر، الغاطس، فيتمثل في اندثار تيارات اليسار والوسط عن الخريطة الحزبية الإسرائيلية، كنتيجة منطقية للانزياح المنهجي صوب يمين ديني-قومي، تجلى في "صهينة الدين وتديين الصهيونية"، لينشأ تيار مركزي، قومي-صهيوني، عابر للأحزاب وليست محصورة في حزب بعينه، باعتبار أن اليهودية "قومية" وليست ديناً فقط، كما رأى ويرى "الآباء المؤسسون" والقادة الحاليون للحركة الصهيونية.

عن الثنائي الأكثر نهماً وتوحشاً

بخلاف سموتريتش، الذي يستمد اسم عائلته من اسم بلدته في أوكرانيا، وورث التطرف الديني من أسرته المتدينة، ميسورة الحال، فإن بن غفير، جاء إلى السياسة من "قاع المدينة"، وأسرته لم تكن متدينة، ما يجعل من تطرفه "مهارة مكتسبة"، وربما يكون بالغ فيه، ثأراً لماضي عائلته العلماني...الأول لعب دور العقل المهندس لمشاريع الاستيطان، من داخل بيروقراطية الدولة وعبر أدواتها من ميزانيات وتشريعات، بعيداً عن الأضواء وصخب الشارع واستعراضيته، فيما الثاني، استحق لقب "المحرض الشعبوي الرخيص" ضد الفلسطينيين والعرب، وأحياناً ضد اليسار الإسرائيلي ذاته، وحضر في كل تظاهرة وتجمع في الشارع، ولم يفوّت انتهاكاته المتمادية لحرمة المسجد الأقصى، دون التقاط الصور التذكارية.

الأول، اكتسب شخصية "رجل الدولة"، في مرحلة تحولت فيها مؤسساتها إلى العنصرية والتوحش والنهم الاستيطاني، وكان له دوراً في أروقتها التنفيذية والتشريعية في تدعيم هذه التوجهات وتزخيمها...فيما "الكاهاني"، ناشط "موليدت" قبل أن يلتحق بـ"كاخ"، ظل صاخباً في أدائه، حتى أنه لم يجد مكاناً لمصارحة زوجته بحبه لها، سوى "ضريح" باروخ غولدشتاين"، جزار الحرم الإبراهيمي الشريف.

كلاهما لم يخدما في الجيش، بن غفير أعفي من الخدمة لسجله الإجرامي ولانضوائه في حركة محضورة (كاخ)، وبالنظر لوجود 50 لائحة اتهام بحقة، أما الثاني، فقد مُنح رعاية خاصة، أعفي من الخدمة العسكرية القتالية، وقضى وقت مختصر في أعمال مكتبية ملحقة بالأركان الإسرائيلية، ومع ذلك فهما الأعلى صوتاً في تحريض الآخرين على الخدمة، وأصحاب شعار: دعوا الجيش يقاتل وينتصر.

وبرغم عناصر "التفوق الشخصي" التي يتمتع بها سموتريتش على بن غفير، من حيث الخلفية والمؤهلات والنخبوية الاشكنازية، إلا أن حزبه، حزب الصهيونية الدينية، لم يجار يوماً "عظمة يهودية" التي يتربع على رأسها بن غفير، فالأخير، نجح بخطابه الشعوبي، ورقصاته المجنونة وغنائه الهستيري، في جذب قطاعات شعبية، من بينها الشباب المتدين، وتعطيه استطلاعات الرأي قاعدة شعبية تؤهله للحصول على 8-10 مقاعد في الكنيست، أما الأول، فهيهات أن يجتاز عتبة الحسم وفقاً لآخر الاستطلاعات، وهو بالكاد يحظى بأربعة مقاعد (الحد الأدنى للقائمة الفائزة)، وفقاً لقانون الانتخاب، وعتبة الحسم البالغة (3.25 بالمئة)

كلاهما من المستوطنين العتاة، ويخاطبان جمهرة المستوطنين، سموتريتش بنى منزلاً فاخراً، على أرض خاصة فلسطينية مسروقة في القدس، ووالده حاييم يروحام، هو حاخام مستوطنة بيت إيل، وتلقى علومه في "مركاز هارف"، المدرسة التي خرّجت عتاة المستوطنين وكبار قادتهم، فيما الثاني، آثر أن يقيم في بؤرة التطرف الاستيطاني، كريات أربع، والتي تضم بين جنباتهم، عتاة المستوطنين وغلاتهم.

وكلاهما كذلك، رجل الدولة ورجل الشارع، يستمدان مواقفهما وتوجهاتهما الرئيسة في كل المسائل الحساسة، من مرجعياتهما الروحية (الحاخامية)، سموتريتش ما زال يخضع لأفكار معلمه وأبيه الروحي، الحاخام زلمان ميلاميد، ويستلهم إرث الحاخام تسفي كوك، مؤسس حركة غوش إيمونيم، فيما بن غفير، يحرص على الرجوع لحاخام كريات أربع، دوف ليؤور، الأب الروحي لباروخ غولدشتين، وهو مدين دائماً لمئير كاهنا والتيار التي حمل اسمه.

الجزء الغاطس من جبل الجليد

لم يكن انتقال الصهيونية الدينية وأخواتها، من هامش الخريطة الحزبية الإسرائيلية إلى مركزها، ليحدث بين عشية وضحاها، بل جاء نتيجة انزياحات في التركيبة السكانية-الاجتماعية للمجتمع الإسرائيلي، بعد أن أفل عصر الهيمنة الأشكنازية – العلمانية (الساحلية)، التي قادها "الآباء المؤسسون"،

فالعلمانيون، الذين هم في غالبيتهم من الأشكيناز، لا يتخطون اليوم حاجز الـ40 بالمئة من السكان، وهم في تناقص بفعل معدلات إنجاب منخفضة، هي الأدنى من بين مختلف المكونات الاجتماعية في إسرائيل، فيما يشكل "المحافظون"، الذين يمارسون بعضاَ من التزاماتهم الدينية قرابة ربع السكان ومعظمهم من اليهود الشرقيين، ويمثل المتدينون القوميون قرابة 12 بالمئة من السكان، فيما الحريديم الأرثوذكس، يناهزون الـ15 بالمئة من السكان، ويتوقع أن يصلوا إلى ربع السكان بعد ربع قرن على أبعد تقدير، والفئتان الأخيرتان تحتفظان بمعدلات مواليد أعلى من بقية الشرائح، وبنسبة تصل إلى 6.5 مواليد للعائلة الواحدة (سموتريتش 7 أولاد وبن غفير 6).

ولم يعد ظهور التيارات الدينية-القومية المتطرفة، يقتصر على مسرح السياسة (حكومة وكنيست)، بل أخذت تتوغل في مؤسسات الدولة العميقة، ففي الجيش على سبيل المثال، يشكل أنصار الصهيونية الدينية (12 بالمئة من السكان) قرابة 40 بالمئة من خريجي المعاهد العسكرية التحضرية، ونخبة ضباط الميدان، وهم يتسلقون هرم القيادة في الجيش، وما هي إلا سنوات قلائل، حتى تحال النخب الاشكنازية العلمانية القديمة، إلى التقاعد، ليحل محلها جنرالات مدججين بالإيديولوجية الدينية القومية المثقل بخطاب الكراهية.

وإذا كان اختراق الشباك في مواقعه العليا، ما زال أمراً صعباً على هذا التيار، لخلفيته العلمانية الصلبة، فإن مستوياته الكادرية والقاعدية، باتت مسرحاً لنفوذ ضباط ومنتسبين من هذه الفئة، وتشير مصادر غير رسمية وغير نهائية، إلى أن العدد الأكبر من قتلى الجيش في حروب السنوات الثلاث الفائتة في لبنان وغزة، هم من أتباع و"حواريي" الصهيونية الدينية...أما الاختراق الأكبر الذي حققته "عظمة يهودية" فكان في جهاز الشرطة الذي يتولاه بن غفير بحكم موقعه كوزير للأمن القومي، إذ بات الجهاز برمته يتصرف كـ"مليشيا" تعمل جنباً إلى جنب، مع مليشيات المستوطنين التي دعمها وسلحها وحصنها بن غفير من موقعه الحكومي.

ولعل المعركة على القضاء، المحكمة العليا والمستشارة القضائية للحكومة، هي واحدة من الساحات الأخطر، لهجوم اليمين المتطرف على مؤسسات الدولة العميقة، بعد أن كان سجل نجاحات ملموسة، في اختراق الساحة الإعلامية، والسيطرة على كثيرٍ من وسائطها المكتوبة والمرئية والالكترونية.

تهديد عابر للحدود

بتناغم منقطع النظير، وبدفع وابتزاز من الصهيونية الدينية، تعمل حكومة نتنياهو، على إتمام تنفيذ "خطة الحسم"، سموترييتش يتولى تقويض السلطة مالياً وابتلاع الأرض بتشريعات وضعت أكثر من 80 بالمئة من أراضي الضفة الغربية في خانة "أملاك الدولة" الجاهزة لابتلاع التوسعات الاستيطانية المتسارعة، فيما بن غفير يتولى أمر ترويع السكان الأصليين بالهجمات اليومية على أرواحهم وأرزاقهم، بهدف تفريغ مناطقهم، بدءاً بالمنطقة (ج) وليس انتهاء بمحو الفواصل بين مختلف خطوط أوسلو وخرائطه وتقسيماته، كما أن الرجل لا يكف عن التغني بمنجزاته في السجون التي أحالها إلى جحيم مصبوب فوق رؤوس ما لا يقل عن عشرة ألاف أسير فلسطيني، وهو يريد التسريع في إنجاز "طابور الإعدام" للقضاء على أسرى حماس و7 أكتوبر، جماعات وليس فرادى.

وفي كل ما يتعلق بلبنان وسوريا، فهما الأكثر حماسة لشعار "دعوا الجيش ينتصر"، ونشر الاستيطان في جنوبي البلدين بوصفه خط الدفاع الأول عن إسرائيل، أما حكاية "الوطن البديل" فقد سخر منها سموتريتش بالأمس القريب، حين قال: ومن ذا الذي يرغب بوجود ملايين الفلسطينيين على طول الحدود مع الأردن، التهجير يتعين أن يتجه لمنافي بعيدة وليس قريبة، والأردن ليس وطناً بديلاً، بل جزء من أرض إسرائيل.

وهنا نختم هذه العجالة بالقول، أن صعود اليمين الأكثر تطرفاً، ورمزاه الأكثر بشاعة، بن غفير وسموتريتش، لا يهدد "حل الدولتين" ولا يقطع الطريق على أي "مسار ذي مغزى / لا رجعة عنه" لقيام كيانية فلسطينية على أرض فلسطين، بل ينذر بابتلاع المزيد الأراضي العربية شمالاً وشرقاً، وبنشر استيطان عابر للحدود، وتهديد كيانات في وجودها وليس في أمنها واستقرارها فحسب، ومع ذلك، هناك من بيننا من لا يزال يراهن على السلام كخيار استراتيجي وحيد (الأنكى وحيد) مع إسرائيل.


مواضيع قد تهمك