اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

م. نضال البيطار : نمو ذكي لشركات التكنولوجيا من خلال الجامعات

م. نضال البيطار : نمو ذكي لشركات التكنولوجيا من خلال الجامعات
أخبارنا :  

لطالما شكّل قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الأردن رافعة رئيسية للاقتصاد الوطني ونموذجاً إقليمياً ناجحاً في الابتكار وتصدير الخدمات الرقمية.

 

ومع تسارع التحول الرقمي عالمياً، تبرز الحاجة إلى تبني استراتيجيات جديدة تتجاوز التركّز التقليدي للأعمال في العاصمة عمان، وتتجه نحو المحافظات بما ينسجم مع مستهدفات رؤية التحديث الاقتصادي ويعزز التنمية المتوازنة في مختلف أنحاء المملكة.

ويتطلب تحقيق هذه الأهداف التفكير بأساليب أكثر ابتكاراً لاستقطاب الاستثمارات التقنية وتوطين المعرفة الرقمية بالقرب من مصادرها الحقيقية، والمتمثلة بالكفاءات الشابة التي تتخرج سنوياً من الجامعات الأردنية، فالمحافظات تزخر بآلاف الخريجين من التخصصات التقنية والهندسية، إلا أن جزءاً كبيراً منهم يضطر إلى الانتقال نحو العاصمة بحثاً عن فرص العمل، في الوقت الذي تواجه فيه الشركات التقنية تحديات متزايدة تتمثل في ارتفاع الكلف التشغيلية واشتداد المنافسة على استقطاب الكفاءات.

هذه المعطيات تفرض البحث عن حلول عملية تعيد رسم العلاقة بين الشركات وسوق العمل، عبر نقل الاستثمار التقني إلى أماكن وجود الكفاءات بدلاً من انتقال الكفاءات إلى مواقع الشركات.

ومن هنا تنطلق فكرة إنشاء بيئات أعمال تقنية متكاملة داخل الجامعات في المحافظات، بما يوفر للشركات فرص توسع جديدة ويمنحها مزايا تشغيلية واستثمارية حقيقية.

وتقوم هذه الرؤية على إنشاء مساحات عمل مجهزة ببنية تحتية حديثة داخل الحرم الجامعي، تستضيف فروعاً للشركات التقنية وتوفر لها بيئة تشغيلية متكاملة بكلف تنافسية.

كما يمكن تعزيز هذا النموذج من خلال برامج دعم حكومية تسهم في تخفيف الأعباء التشغيلية، وتشجع الشركات على التوسع خارج العاصمة والاستفادة من الطاقات البشرية المتوافرة في المحافظات.

ويتطلب نجاح هذا التوجه بناء منظومة تعاون متكاملة تجمع بين الجامعات والقطاع الخاص والجهات الحكومية والمؤسسات المتخصصة في تطوير المهارات، فالجامعات يمكن أن توفر المساحات والبنية التحتية المناسبة، فيما تتولى المؤسسات التدريبية إعداد الخريجين وتأهيلهم وفق احتياجات السوق، بينما يسهم الدعم الحكومي في تحفيز التوظيف وتعزيز استدامة هذه المبادرات. ومن شأن هذا التكامل أن يخلق بيئة أعمال جاذبة تتيح للشركات تحقيق نمو مستدام وتوسيع عملياتها بكفاءة أكبر.

ولا تقتصر فوائد هذا النموذج على الشركات والخريجين فحسب، بل تمتد إلى الجامعات نفسها. فوجود فروع للشركات التقنية داخل الحرم الجامعي سيحول الجامعات إلى مراكز حيوية للابتكار وريادة الأعمال، ويعزز ارتباط العملية التعليمية بالاحتياجات الفعلية لسوق العمل. كما سيوفر للطلبة فرصاً عملية للتدريب والتعلم المباشر من بيئة العمل، ما يسهم في رفع جاهزيتهم المهنية وتعزيز تنافسيتهم بعد التخرج.

كذلك يمثل هذا التوجه فرصة مهمة لتمكين المرأة اقتصادياً، خصوصاً في المحافظات. فقد أثبتت التجارب التي نفذتها جمعية "إنتاج" من خلال برامج تمكين المرأة وجود كفاءات تقنية متميزة من السيدات يمتلكن مهارات عالية وقدرات واعدة. إلا أن كثيراً منهن يواجهن تحديات مرتبطة بالانتقال إلى مراكز العمل البعيدة. ومن خلال توفير فرص العمل التقنية داخل محافظاتهن، يصبح بالإمكان الاستفادة من هذه الطاقات وتمكينها من المشاركة الفاعلة في الاقتصاد الرقمي.

إن ما نتحدث عنه اليوم هو نموذج تنموي متكامل وقابل للتوسع والتكرار، يحقق في الوقت ذاته أهدافاً اقتصادية واجتماعية واضحة. فهو يمنح الشركات التقنية فرصة لتحقيق وفر تشغيلي وتوسع ذكي، ويوفر للشباب والشابات وظائف نوعية بالقرب من أماكن إقامتهم، كما يعزز دور الجامعات كمحركات للتنمية والابتكار في مجتمعاتها المحلية.

ونحن اليوم أمام فرصة حقيقية لإعادة توزيع الاستثمار التقني على مستوى المملكة بطريقة أكثر كفاءة وشمولاً. فالاستثمار في المحافظات لم يعد خياراً تنموياً فحسب، بل أصبح استراتيجية أعمال ذكية تدعم نمو الشركات وتعزز تنافسيتها. ومن هذا المنطلق نعمل على بلورة هذا النموذج وتحويله إلى واقع عملي خلال المرحلة المقبلة، بما يجعل القطاع الخاص المستفيد الأول والمحرك الرئيس لمسيرة التنمية الرقمية والاقتصادية في الأردن.


مواضيع قد تهمك