اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"
الأخبار

د. جهاد يونس القديمات : موعظة رقمية مستهلكة بتاريخ صلاحية

د. جهاد يونس القديمات : موعظة رقمية مستهلكة بتاريخ صلاحية
أخبارنا :  

لا تموت الأحرف التي تكتب او الكلمات التي تقال بسهولة في المواقع التواصل الاجتماعي، ولا تتبخر النصائح في الهواء كما كان يحدث قديما، بل أصبحت لكل جملة نكتبها أثر طويل، ولكل منشور عمر قد يمتد سنوات وربما عقود دون أن نشعر، فمثلا كانت الموعظة التي كانت تقال يوما في مجلس عائلي أو بعد صلاة أو في جلسة عادية تنتهي بانتهاء اللحظة، أما اليوم فقد تحولت الموعظة إلى مادة رقمية قابلة للحفظ والمشاركة والاستدعاء وإعادة التدوير، بل أحيانا إلى أداة للحكم على الناس بعد سنوات طويلة من تغيرهم وتبدل أفكارهم وظروفهم.


لكنني ما كنت أعلم أن للموعظة الرقمية تاريخ صلاحية، وأن الكلمات التي تكتب بحماس لحظي قد تصبح بعد سنوات عبئا على صاحبها أو مادة للسخرية أو دليلا يستخدم ضده، أو حتى سببا لفقدان مصداقيته أمام الناس، لأن العالم الرقمي لا ينسى بسهولة، بينما الإنسان بطبيعته يتغير وينضج ويتراجع أحيانا عن قناعاته، ويكتشف أن الحياة أعقد من النصوص المختصرة، وأن البشر ليسوا نسخا مثالية يمكن اختصارهم في منشور أو مقطع فيديو لا يتجاوز دقيقة واحدة.


تحولت وسائل التواصل الاجتماعي في السنوات الأخيرة إلى منابر مفتوحة للجميع، وأصبح كل شخص قادرا على تقديم النصيحة وإلقاء الدروس وتحليل العلاقات وتفسير النجاح والحديث عن التربية والزواج والإيمان، والصحة النفسية والتنمية البشرية، وكأن امتلاك حساب وهاتف وكاميرا يمنح الإنسان تلقائيا صفة الحكيم أو الخبير أو المرشد، ومع كثرة المحتوى بدأت الموعظة تتحول من قيمة إنسانية عميقة إلى منتج سريع الاستهلاك، يخضع أحيانا لقوانين الترند أكثر مما يخضع لقوانين الحكمة.


المشكلة ليست في النصيحة نفسها، فالكلمة الطيبة ستبقى دائما جميلة ومؤثرة، لكنها تبدأ عندما تتحول الموعظة إلى استعراض أو إلى محاولة لصناعة صورة مثالية عن الذات أو عندما تصبح النصائح أكبر من التجربة الحقيقية لصاحبها، لأن الجمهور اليوم قد يصفق لك في لحظة لكنه بعد سنوات قد يعود إلى مقطع قديم لك ليحاسبك عليه، أو ليقارن بين كلامك السابق وسلوكك الحالي وكأن الإنسان ممنوع من التغير أو المراجعة أو حتى الخطأ.


كم من شخص تحدث يوما عن العلاقات المثالية ثم انتهت علاقته بالفشل، وكم من شخص أعطى دروسا في الصبر ثم انهار تحت ضغط الحياة، وكم من شخص تحدث عن القناعة ثم غيرته الظروف والطموحات، وكم من شخص هاجم فكرة معينة ثم عاد إليها لاحقا بعد النضج والتجربة؟، وهذا ليس نفاقا بالضرورة كما يصوره البعض بل جزء طبيعي من تطور الإنسان، لأن الحياة تعلمنا أشياء لا نتعلمها من الكتب ولا من المنشورات القصيرة.


للأسف، العالم الرقمي قاس أحيانا، فهو يمنح الناس فرصة الكلام بسهولة لكنه لا يمنحهم دائما فرصة التراجع أو إعادة التفسير، ولذلك أصبح البعض يعيش تحت ضغط الصورة الرقمية القديمة، يخشى أن يتغير أو يعترف بخطأ أو يراجع أفكاره!، لأن العالم الافتراضي قد يعاقبه على ذلك، بينما النضج الحقيقي يبدأ غالبا من الاعتراف بأن الإنسان قد يخطئ، وأن بعض قناعاته السابقة كانت سطحية أو متسرعة أو ناقصة.


لعل أخطر ما في الموعظة الرقمية أنها أحيانا تختزل في عبارات قصيرة جدا، بينما القضايا الإنسانية الكبرى لا يمكن اختصارها دائما في جملة جذابة أو مقطع سريع، فالحياة الزوجية مثلا ليست اقتباسا رومانسيا، والتربية ليست قائمة أوامر والنجاح ليس وصفة سحرية، والإيمان ليس استعراضا علنيا، والوعي ليس مجرد كلمات معقدة نكتبها لنبدو أكثر عمقا أمام الآخرين.!


مع كثرة المحتوى، أصبح الناس يتنقلون بين آلاف النصائح يوميا، حتى فقدت بعض الكلمات قيمتها الحقيقية، لأن الموعظة عندما تتكرر بشكل مبالغ فيه تتحول أحيانا إلى ضجيج لا إلى أثر، فالإنسان قد يشاهد عشرات المقاطع التحفيزية في يوم واحد، لكنه لا يطبق شيئا منها لأن التأثير الحقيقي لا يصنعه عدد الكلمات، بل صدق التجربة وعمق المعنى وواقعية الطرح، ولهذا نحن بحاجة ربما اليوم إلى شيء من التواضع الرقمي، وإلى تقليل الوعظ وزيادة المصداقية، وإلى أن يتحدث الإنسان أحيانا عن تجاربه بواقعية لا بكمال مصطنع، وأن يدرك أن الناس لا تحتاج دائما إلى من يعطيها دروسا، بل أحيانا تحتاج إلى من يفهمها ويشبهها ويتحدث معها بإنسانية بسيطة بعيدا عن التعالي والاستعراض.


من الحكمة أيضا أن نفهم أن لكل مرحلة في الحياة وعيا مختلفا، وأن ما نؤمن به اليوم قد يتغير غدا، ليس لأننا متقلبون، بل لأن التجربة الإنسانية مستمرة ولأن الإنسان الحقيقي ليس آلة ثابتة، بل كائن يتأثر ويتعلم وينكسر وينضج ويعيد ترتيب أفكاره مع الوقت، لذلك قبل أن نكتب أي موعظة رقمية، ربما علينا أن نسأل أنفسنا سؤالا بسيطا: هل هذه الكلمات نابعة فعلا من تجربة وفهم وصدق، أم أنها مجرد محاولة للحضور والظهور وكسب التفاعل، وهل نحن مستعدون لتحمل بقاء هذه الكلمات سنوات طويلة أمام الناس؟، لأن هذا العالم الرقمي يحتفظ بكل شيء، لكن الحياة وحدها قادرة على تغيير الإنسان.


ليست المشكلة في أن للموعظة الرقمية تاريخ صلاحية، بل أننا أحيانا نتعامل مع الكلمات وكأنها حقائق أبدية، بينما الحقيقة الأعمق أن الإنسان نفسه يتغير، وأن أكثر الناس حكمة ليس من يتحدث كثيرا، بل من يترك مساحة للمراجعة والتعلم والنضج والاعتراف بأن الحياة أكبر من أي منشور، وأعمق من أي مقطع قصير وأكثر تعقيدا من كل النصائح السريعة التي تملأ شاشاتنا كل يوم.


jehadhr@gmail.com



مواضيع قد تهمك