د. ماجد الصمادي : الطب النفسي .. من وصمة الى ترند
كان الناس، قبل سنوات ليست ببعيدة، يسرعون الخطى إذا مروا بلافتة عيادة طبيب نفسي. ليس خوفاً من المرض… بل خوفاً من الناس.
ففي مجتمعنا، كان الاكتئاب تهمة،والقلق ضعفاً، ومراجعة الطبيب النفسي إعلاناً غير مباشر بأن الإنسان (مختل) أو (ناقص) أو غير قادر على مواجهة الحياة.
أتذكر اصدقاء كانوا يختارون عيادات بعيدة عن أحيائهم، وبعضهم كان ينتظر داخل السيارة حتى يتأكد أن أحداً لن يراه يدخل. كانت نظرة المجتمع أقسى من المرض نفسه. وكنا، ببساطة، نمارس القسوة باسم الهيبة الاجتماعية.
سبحان الله، اليوم تغيّر كل شيء. أصبح الناس يتحدثون عن الصحة النفسية كما يتحدثون عن ضغط الدم والسكري. تسمع شاباً يقول إنه يراجع طبيباً بسبب القلق، وفتاة تتحدث عن العلاج السلوكي، وأماً تسأل عن فرط الحركة عند طفلها، دون ارتباك أو خوف أو خجل.
بل إن الطب النفسي، في بعض الأحيان، انتقل من دائرة الوصمة إلى دائرة (البرستيج الثقافي).
وأنا لا أقول هذا بسخرية، بالعكس… هذه نقلة مهمة. لأن الإنسان ليس آلة. والروح أيضاً تتعب، والعقل ينهك، والقلب أحياناً لا يحتمل كل هذا الركض اليومي خلف الحياة.
الحقيقة أن الزمن نفسه تغيّر، نحن نعيش في عصر مرهق:
تكاليف الحياة ترتفع، والعلاقات تهتز، ووسائل التواصل جعلت الإنسان في سباق دائم مع الآخرين. كل واحد منا صار يقارن حياته بحياة الآخرين، وراتبه، وشكله، ونجاحه، وحتى سعادته. ولهذا أصبح القلق ضيفاً دائماً على البيوت.
الإعلام أيضاً لعب دوراً مهماً. مشاهير وفنانون ورياضيون خرجوا للناس وقالوا ببساطة: نعم… ذهبنا إلى طبيب نفسي. وعندما يعترف المشهور، يخجل المجتمع من أحكامه القديمة.
لكن، ومع كل هذا الوعي، ظهرت مشكلة أخرى.فالبعض بات يتعامل مع المصطلحات النفسية كأنها موضة. أي حزن أصبح (اكتئاباً)، وأي توتر صار (اضطراباً)، وأي شخص مزاجي أصبح "Toxic”. وكأننا انتقلنا من إنكار الطب النفسي إلى الإفراط في استخدامه.
المطلوب ليس أن نحول الحياة كلها إلى تقارير نفسية… المطلوب فقط أن نفهم الإنسان أكثر.
أن ندرك أن التعب النفسي ليس عيباً، وأن طلب المساعدة ليس ضعفاً، وأن أكثر الناس ابتسامة قد يكون في داخله خراب كامل لا يراه أحد.
الطب النفسي لم يعد وصمة… وهذه من أجمل التحولات التي حدثت في مجتمعنا.
لأن المجتمعات الحقيقية ليست تلك التي تخفي أوجاعها، بل التي تعترف بها وتحاول علاجها بكرامة.